طرق نواف سلام أبواب واشنطن ونيويورك في أسبوعٍ واحد، لا طلباً لوصيٍّ جديد، بل بحثاً عن شريك. وبين طاولةٍ أميركية وأخرى سعودية، سمع جملةً واحدة تكفي لإسقاط رهاناتٍ كثيرة..
حين يقطع رئيس حكومة لبنان المسافة بين واشنطن ونيويورك في أسبوع واحد، فيجلس في وزارة الخارجية الأميركية، ثم في وزارة الخزانة، ثم في مقر البنك الدولي، ويُعرّج في الأمم المتحدة على وزير الخارجية السعودي، فإنّ قراءة ما جرى بوصفه جدول لقاءات بروتوكولياً تفوّت جوهره. ما فعله «نواف سلام» هو أنه وضع الدولة اللبنانية على طاولة حلفائها الحقيقيين، وطرح عليهم سؤالاً واحداً بصيغ مختلفة: كيف تُستعاد الدولة كاملة، سيادةً واقتصاداً وثقةً؟
متى يصبح الوعد سياسة؟
المنطق الذي حكم الجولة بسيط في عرضه، صعب في تنفيذه. فمشروع بناء الدولة، كما شرحه سلام أمام الشباب والمهنيين اللبنانيين في واشنطن، يقوم على مسارين متلازمين: إصلاح حقيقي من الداخل، وسيادة كاملة للدولة على أراضيها، تحت شعار «لا دولة بجيشين، ولا دولة بقرارين». وعلى هذا الأساس جاء خطابه أمام وزير الخارجية الأميركي «ماركو روبيو»، فلم يكتفِ بالمطالبة بتفعيل الإطار الثلاثي، بل طالب بما يفصل الوعد عن السياسة: جدول زمني واضح للالتزامات، وآلية تحقق موثوقة تمنع أن يتحوّل عدم التنفيذ إلى ذريعة لتعطيل المسار. فمبدأ التبادلية والمرحلية لا يساوي شيئاً ما دام عنواناً في بيان، ويصبح سياسة حين تُرفق به مواعيد ورقابة ونتائج على الأرض، في الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وفي حصر السلاح بيد الدولة، وفي دعم الجيش اللبناني الذي أكّد الوزير الأميركي استمرار الالتزام به.
ولأن السيادة لا تُبنى بالبندقية والدبلوماسية وحدهما، حمل سلام الملف الاقتصادي إلى وزير الخزانة «سكوت بيسنت»، ثم إلى رئيس مجموعة البنك الدولي «أجاي بانغا». هناك عرض مسار الإصلاح المالي والمصرفي، وجهود مكافحة الاقتصاد النقدي وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وطلب دعماً أميركياً في مفاوضات صندوق النقد الدولي. وهذا الترتيب مقصود، إذ لا يعود الاستثمار إلى قطاع مالي لم يستعد ثقة العالم، ولا يمر تمويل الطاقة والمياه والبنى التحتية والتحول الرقمي وشبكات الأمان الاجتماعي إلا عبر بوابة الإصلاح. فالمال هنا ليس ملحقاً بالسياسة، بل هو وجهها الآخر.
رهانٌ على الدولة… لا على مَن فيها
أمّا الرياض فحضرت في نيويورك بمضمون عملي يتجاوز المجاملة. فقد رحّب سلام بالاتفاق على بدء العمل لتفعيل اللجنة السعودية اللبنانية المشتركة، وهي خطوة تأتي بعد رفع الحظر عن الصادرات اللبنانية إلى المملكة، أي أنّ الانفتاح انتقل من مستوى النيات إلى مستوى القرارات. وحضر في الاجتماع مستشار وزير الخارجية السعودي للشأن اللبناني، وثمّن الأمير «فيصل بن فرحان» الجهود التي تبذلها الحكومة للحفاظ على الدولة اللبنانية ومؤسساتها الوطنية. وفي هذه العبارة تحديداً خلاصة الموقف السعودي، فهو يراهن على الدولة، لا على طرف داخلها ولا على معادلة فوقها.
وإذا كان لهذا كله من معنى، فهو أنّ لبنان الذي يسعى سلام إلى بنائه لا يبحث عن وصيّ جديد، بل عن شريك. وهنا تتوجه هذه السطور أولاً إلى كل من يراهن على هذه العلاقات، في الداخل والخارج.
إلى هؤلاء نقول إنّ علاقة لبنان بالسعودية وبالولايات المتحدة ليست منّة تُمنح ولا رصيداً يُستهلك، بل عقد ثقة يتجدّد بالأفعال. فمن يظن أنّ الدعم الدولي سيحل مكان قرار الدولة يخطئ الحساب، ومن يظن أنّ الدولة تستطيع أن تنتظر الخارج ريثما يتغير الداخل يخطئه أكثر. الأصدقاء يساندون من يساعد نفسه، والمشروع الذي يحمله سلام يقول ذلك بلا مواربة: إصلاح يسبق التمويل، وسيادة تسبق الاعتراف، ومحاسبة على النتيجة لا على الوعد، وهو ما لخصه بقوله «حاسبونا عالشغل، حاسبونا عالنتيجة». وعلى من يراهن على هذه الشراكات أن يحاسب الحكومة بهذا المعيار، وأن يحاسب حلفاءها أيضاً على وفائهم بما التزموا به، لأنّ الشراكة التي تُقاس من طرف واحد لا تستقيم.
وللبنانيين، مقيمين ومغتربين، رسالة تخصهم. فالجولة انتهت بصورة ذات دلالة: شباب من كل المناطق والطوائف في العاصمة الأميركية يسمعون رئيس حكومتهم يقول إن العودة يجب أن تكون «خياراً لا تضحية». وهذه ليست دعوة عاطفية، بل شرط لكل رهان اقتصادي جدي. فلا حليف يبني دولة بدلاً من أهلها، ولا استثمار يأتي إلى بلد يغادره خيرة أبنائه.
شرخٌ لا يراه إلا المراهنون عليه
بقيت رسالة أخيرة، ومباشرة، إلى كل من يراهن على افتراق الرياض وواشنطن، أي إلى من يحسب أن في تباعدهما فرصة، وأنّ لبنان يمكن أن يبقى رهينة هذا التباعد المفترض.
إليكم الوقائع: جلس رئيس الحكومة اللبنانية في أسبوع واحد إلى طاولتين، أميركية وسعودية، فسمع من الأولى التزاماً بدعم لبنان ومؤسساته الشرعية وجيشه والمضي في الإطار الثلاثي، وسمع من الثانية تقديراً للجهود المبذولة لحفظ الدولة ومؤسساتها الوطنية وتفعيلاً للتعاون الاقتصادي. اللغة مختلفة والعواصم مختلفة، لكن الجملة واحدة: دولة لبنانية قوية بمؤسساتها، وجيش واحد، وقرار واحد، وسيادة لا تُنتقص. ومن يبني رهانه على شرخ بين هذين الحليفين في الملف اللبناني سيجد أنّ الأرض التي يقف عليها ضاقت بأسرع مما توقع، لأن ما يجمع الرياض وواشنطن في بيروت اليوم ليس مجاملة ظرفية، بل مصلحة مشتركة في ألا يبقى لبنان ساحة لأحد ولا صندوق بريد لأحد.
وسلام نفسه قالها لطهران بلغة الدولة إلى الدولة: لبنان يريد صفحة جديدة قائمة على احترام السيادة وعدم التدخل، ولا يريد أن يكون ساحة لتبادل الرسائل. وهذه خلاصة الرسائل كلها، وهي أنّ زمن الرهان على تناقض الكبار فوق رؤوس اللبنانيين يقترب من نهايته، وأن من لم يقرأ ذلك بعد فسيقرؤه قريباً، في الجدول الزمني وآلية التحقق والنتائج على الأرض.