معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

تهاوي سرديّة “الحارس الإسرائيليّ” للخليج: هل حمت نفسها أوّلاً؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

تسوّق إسرائيل نفسها درعاً لدول الخليج في وجه إيران، لكنّ وقائع السنوات الأخيرة تكشف دولةً عجزت عن حماية نفسها، وتبحث في الخليج عن عمقٍ استراتيجيّ تفتقده.

 

 

سرديّة لتغطية الإخفاق

منذ مدّة، تعمل الماكينة السياسيّة والإعلاميّة الإسرائيليّة على ترويج فكرةٍ مفادها أنّ دول الخليج العربيّ بحاجةٍ إلى المظلّة الإسرائيليّة لحماية أمنها من التهديد الإيرانيّ. فكرةٌ تبدو للوهلة الأولى جزءاً من خطاب “التحالف الإقليميّ”، لكنّها في العمق محاولةٌ للهروب إلى الأمام، وتغطيةٌ على سلسلة إخفاقاتٍ أمنيّة لم تعد خافيةً على أحد.

دولة لم تحمِ نفسها

السؤال البديهيّ الذي تتجنّبه هذه السرديّة: كيف لدولةٍ لم تستطع حماية نفسها أن تحمي دولاً أخرى؟:

– في السابع من تشرين الأوّل 2023، انهارت المنظومة الأمنيّة الإسرائيليّة خلال ساعات، وسقطت أسطورة “الجيش الذي لا يُفاجأ”.

– وحين أطلقت إيران صواريخها ومسيّراتها في نيسان وتشرين الأوّل 2024، لم تتصدَّ إسرائيل لها وحدها، بل احتاجت إلى مشاركةٍ أميركيّة وبريطانيّة وفرنسيّة مباشرة في الاعتراض.

– وفي حرب حزيران 2025، بلغت الصواريخ الإيرانيّة قلب المدن الإسرائيليّة، واستُدعيت منظومات الدفاع الأميركيّة لسدّ الثغرات، وسط تقارير عن استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضيّة.

– حتّى الحوثيّون، من على بُعد أكثر من ألفي كيلومتر، تمكّنوا من الوصول بصواريخهم إلى محيط مطار بن غوريون. فأيّ حمايةٍ تعرضها دولةٌ تحتاج هي نفسها إلى حلفاء يحرسون سماءها؟

الجغرافيا لا تكذب

لنفترض جدلاً أنّ الدور الإسرائيليّ المقترح يقتصر على الرصد الجوّيّ والإنذار المبكر. هنا تصطدم السرديّة بحقيقةٍ لا يمكن تجاوزها: الجغرافيا. فإسرائيل دولةٌ صغيرة المساحة، لا يتجاوز عرضها في بعض النقاط خمسة عشر كيلومتراً، وتفتقر إلى العمق الاستراتيجيّ الذي يُعدّ شرطاً أساسيّاً لأيّ منظومة إنذارٍ ودفاعٍ فعّالة.

الرصد الجوّيّ لا يتمّ من بعيد. والدفاع عن سماء الخليج يحتاج إلى راداراتٍ ومنظوماتٍ منتشرة على أرض الخليج نفسه، وفي عمقه الجغرافيّ الواسع. أي إنّ إسرائيل، لكي “تحمي” الخليج، تحتاج إلى أرض الخليج وأجوائه. وهنا بيت القصيد.

تريد شيئاً وتروّج لعكسه

ما تطرحه إسرائيل على أنّه خدمةٌ تقدّمها، هو في الحقيقة حاجةٌ تطلبها. فهي لا تبحث عن حماية الخليج، بل عن عمقٍ استراتيجيٍّ في الخليج: أجواءٌ مفتوحة، ومحطّات رصدٍ متقدّمة قريبة من إيران، وحضورٌ أمنيٌّ يمنحها ما لا تملكه جغرافيّاً. المعادلة الحقيقيّة معكوسة تماماً: الخليج بمساحته وموقعه هو من يمكن أن يشكّل مظلّةً لإسرائيل، لا العكس.

ولا تتوقّف الأهداف عند البعد العسكريّ. فتسويق “الحاجة إلى الحماية” يفتح أسواق السلاح والتكنولوجيا الأمنيّة الإسرائيليّة، ويضع التطبيع على الطاولة بشروطٍ إسرائيليّة، ويحوّل دول الخليج إلى خطّ تماسٍ أوّل في أيّ مواجهةٍ مع طهران، بدل أن تبقى إسرائيل في الواجهة وحدها.

الحامي الذي ضرب الدوحة

والمفارقة الأكثر فجاجةً أنّ الدولة التي تعرض حماية الخليج، هي نفسها التي نفّذت في أيلول 2025 ضربةً عسكريّة على العاصمة القطريّة الدوحة، في انتهاكٍ صارخ لسيادة دولةٍ خليجيّة تؤدّي دور الوسيط. فكيف يُطلب من الخليجيّين أن يأتمنوا على أمنهم طرفاً لم يتردّد في استباحة أجواء إحدى دولهم؟

الخليج أدرى بأمنه

دول الخليج ليست غافلةً عن التهديد الإيرانيّ، فقد عانت منه قبل أن تكتشفه إسرائيل في خطابها الدعائيّ. لكنّها اختارت مقاربةً تقوم على بناء قدراتها الذاتيّة، وتنويع شراكاتها الدوليّة، والجمع بين الردع والدبلوماسيّة، كما ظهر في الاتّفاق السعوديّ الإيرانيّ برعاية صينيّة عام 2023. وهي مقاربةٌ تحمي الخليج من أن يكون ساحةً لحروب الآخرين.

سقوط سردية حماية الخليج

السرديّة الإسرائيليّة ليست سوى محاولةٍ لتحويل الضعف إلى عرض قوّة، والحاجة إلى عرض خدمة. دولةٌ اهتزّت أمنيّاً من غزّة إلى طهران إلى صنعاء، لا تملك أن تكون حارساً لغيرها. والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: من يحتاج إلى من؟

 

إقرأ أيضاً: فلاي دبي: كيف يصبح حادث أمني رواية سياسية؟