حمل رئيس الحكومة نواف سلام إلى النبطية، الجمعة، خطاب الدولة ومطالبها، فوجد في انتظاره ما هو أبعد من استقبال بروتوكولي: أصواتاً جنوبية ترفع سقفها أمام الكاميرات، وتطالب بجيش يحميها ودولة تقرّر عنها، بعدما أنهكتها الحرب. فهل كانت الزيارة مجرد محطة رسمية، أم أنها كشفت عن نقاش بدأ يتشكّل داخل البيئة التي طالما اعتُبرت مقفلة سياسياً؟
الانسحاب وبناء الدولة: مساران لا ينفصلان
دعا سلام، خلال مؤتمر صحفي على هامش جولته في المدينة، إلى حشد الإمكانات والدعم لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل، مؤكّداً أنّ أولويات لبنان تشمل وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وضمان عودة السكان بأمان إلى منازلهم واستعادة مصادر رزقهم.
وشدّد على ضرورة العمل بالتزامن على تحقيق الانسحاب وإعادة بناء دولة قادرة وفاعلة، تمتلك جيشاً واحداً وقراراً موحداً، خصوصاً في ما يتعلق بالحرب والسلم. واعتبر أنّ هذا المسار يجنّب لبنان حروباً جديدة، وينزع ذرائع شن أي عدوان جديد أو توسيع العدوان الحالي، داعياً إلى إعادة الحياة إلى مدن الجنوب وبلداته وقراه في ظل استمرار الاعتداءات.
ورفض سلام انتظار تسوية إقليمية كبرى لتحقيق هذه الأهداف، قائلاً: “هذه التسوية قد تأتي أو لا تأتي، أو قد تتأخر سنوات، وإذا حصلت، فقد تكون على حسابنا”.

وتخللت جولة سلام زيارة مراكز المؤسسات الأمنية بعد إعادة تأهيلها وترميمها إثر تضررها في الحرب الأخيرة، حيث وضع حجر الأساس لمقر جديد للدفاع المدني اللبناني.
كما أعلن سلام إطلاق 23 مناقصة لمشاريع تشمل قضاء النبطية، من بينها إزالة العوائق وترميم الطرق، وإعادة تأهيل مراكز الإيواء، وتأمين سيارات للإسعاف وأجهزة طبية.
استقبال بمشهد مختلف
بدا المشهد مختلفاً هذه المرة. فقد رحّب أهالي النبطية برئيس الحكومة في زيارة أُعلن عنها مسبقاً وجرى التحضير لها، بعيداً عن أجواء التوتر التي رافقت في السابق حضور ممثلي الدولة إلى المنطقة.
وبرزت خلال الزيارة جرأة لافتة في الأصوات الجنوبية التي طالبت بتعزيز حضور الدولة والجيش لحماية المدينة والقرى المحيطة بها، معبّرةً بوضوح عن تعبها من الحرب.
في المقابل، بدا واضحاً ضعف سيطرة حزب الله على الشارع، مقارنةً بما كان يحصل سابقاً من قمع للأصوات المعترضة أمام الكاميرا، وإرسال “كتيبة” من الأهالي لمهاجمة أي ممثل عن الدولة، بأوامر واضحة كان يديرها وفيق صفا.

هل يفقد الحزب بيئته؟
تفتح الأصوات التي ارتفعت في النبطية باب التساؤل: هل بدأ الجنوب عملياً يتّجه نحو صياغة معادلة جديدة؟
إنّ البيئة الجنوبية تبدو منخرطة في نقاش غير مسبوق حول إعادة تعريف علاقتها بالدولة بعد أن سقطت أوهام الحماية التي رسخها الحزب لعقود لدى الجنوبيين.
بين القول إنّ الحزب فقد بيئته، وتجاهل ما يجري في داخلها، مسافة يصعب القفز فوقها. فثمة صوت جنوبي جديد بدأ يشقّ طريقه، وإذا ما اتّسع وتحوّل إلى قوة فاعلة، فقد يؤسّس لأحد أبرز التحولات السياسية التي يشهدها الجنوب اللبناني.
إقرأ أيضاً: نواف سلام ورهان الدولة: حين يكون الحلفاء شرطاً للسيادة لا بديلاً عنها