من السخرية من الشكل إلى استهداف العائلة والحملات المنظّمة، تشرح المعالجة النفسية د. ليا برمو لماذا يصبح بعض اللبنانيين أكثر قسوة خلف الشاشة، وأين ينتهي النقد ويبدأ الأذى.
“كنت أمزح فقط”… جملة تتكرّر كثيرًا بعد تعليق ساخر أو إهانة على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن هل تكفي النيّة فعلًا لتبرير الأذى؟
المشهور في جيب المتابع
غيّرت مواقع التواصل الاجتماعي شكل العلاقة بين المشاهير والجمهور. فالشخص المعروف لم يعد يظهر فقط في مقابلة تلفزيونية أو على المسرح، بل أصبح حاضرًا في هاتف المتابع طوال اليوم. صوره، تفاصيل حياته، عائلته، علاقاته ومناسباته اليومية، كلها أصبحت متاحة خلال ثوانٍ.
وفي لبنان، حيث السخرية جزء من الحياة اليومية، أعطت مواقع التواصل مساحة أكبر لهذا النوع من التفاعل. التعليق الساخر والانتقاد أصبحا حاضرين في تفاصيل كثيرة، لكنّ الحدود بين المزاح والتجريح ليست دائمًا واضحة. صورة، إطلالة أو منشور قد تتحوّل خلال دقائق إلى مادة للتعليقات، وكأنّ الظهور على الشاشة يمنح الآخرين حقّ التعليق على كل ما يتعلّق بالشخص
ومع هذا الحضور الدائم، تختلط أحيانًا الحياة العامة بالحياة الخاصة. البعض يتعامل مع ما يراه على الشاشة باعتباره مساحة مفتوحة للتعليق، حتى عندما لا يكون الموضوع معنيًّا به مباشرة.
ولا يتوقّف الأمر دائمًا عند الشخص المعروف. فقد تمتدّ التعليقات إلى زوج أو زوجة أو أولاد أو أهل، لمجرّد ارتباطهم بشخصية عامة.
وفي السياسة، تصبح المسألة أكثر حساسية. فالسياسي مسؤول عن قرارات تؤثّر في حياة الناس، ومن الطبيعي أن يتعرّض للمساءلة والانتقاد. لكن ماذا يحدث عندما ينتقل الخلاف حول قرار أو موقف إلى السخرية من الشكل أو الصحة أو العائلة؟
عندما يصبح المشهور “شاشة” لمشاعرنا
ترى المعالجة اللغوية والنفسية وأخصائية علم النفس العيادي د. ليا برمو، في حديث لموقع «الدولة»، أنّ التنمّر على الشخصيات العامة لا يرتبط بسبب واحد.
فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المشاهير أقرب إلى الناس من أيّ وقت مضى. لم يعد المشهور بالنسبة إلى المتابع مجرّد صورة بعيدة، بل شخصًا يظهر أمامه يوميًّا، مع تفاصيل من حياته.
هذا القرب قد يجعل البعض يشعر بأنّ من حقّه التعليق على كل شيء. لكنّ برمو ترى أنّ الموضوع قد يكون أعمق. فالشخصية المشهورة يمكن أن تتحوّل إلى ما يشبه «الشاشة» التي يُسقط عليها البعض مشاعر مختلفة، من الإعجاب والغيرة والحسد إلى الغضب والمقارنة.
وتشرح أنّ الهجوم على الآخر قد يكون أحيانًا انعكاسًا لصراع داخلي لدى الشخص، وهو ما يُعرف بـ«الإسقاط» (Projection). فبدل أن يواجه الإنسان شعورًا يزعجه في داخله، قد يضعه على شخص آخر ويهاجمه من خلاله.
لكنّ هذا لا يعني أنّ كل شخص ينتقد شخصية عامة يشعر بالغيرة أو يمارس الإسقاط. فالانتقاد جزء طبيعي من الحياة العامة، والمشكلة تبدأ عندما يتحوّل إلى إهانة للشخص نفسه.
“هو مشهور… فليتحمّل“
كثيرًا ما نسمع أنّ الشخص المشهور «عليه أن يتحمّل»، لأنه اختار أن يعيش تحت الأضواء.
لكنّ الشهرة، تقول برمو، لا تلغي الحياة النفسية للإنسان. ظهور الشخص أمام الجمهور لا يعني أنه فقد حقّه في الخصوصية أو أصبح غير قابل للتأثّر.
وتشير إلى قصص لمشاهير عانوا من اضطرابات ومعاناة نفسية شديدة، وبعضهم أقدم على الانتحار، بينما لم يكن الجمهور يعرف ما الذي كانوا يعيشونه خلف الشاشة.
وقد يمتدّ الهجوم أيضًا إلى أفراد العائلة، رغم أنهم لم يختاروا أصلًا أن يكونوا شخصيات عامة.
عندما يكون المستهدف سياسيًّا
مع السياسيين، هناك مساحة أكبر للمساءلة، لأنّ الحديث يتعلّق بأشخاص يتّخذون قرارات تمسّ حياة الناس.
وفي لبنان، يتعرّض كثير من السياسيين لموجات من السخرية والتنمّر على مواقع التواصل، على اختلاف انتماءاتهم ومواقعهم.
من حقّ المواطن أن يسأل السياسي عن قراراته، وأن يعترض على أدائه، وأن ينتقد مواقفه حتى بحدّة. لكنّ تحويل الخلاف السياسي إلى إهانة شخصية شيء آخر.
السخرية من الشكل أو الجسم أو العمر أو الحالة الصحية، أو إدخال أفراد العائلة في الخلاف لمجرّد صلة القرابة، لا علاقة لها بمحاسبة المسؤول على عمله.
الصحافيات: الإطلالة بدل المضمون
وقد يصل الأمر أحيانًا إلى شخصية إعلامية أو صحافية بسبب مظهرها، فتصبح إطلالتها أو ملابسها موضوعًا للسخرية، بدل مناقشة ما تقدّمه مهنيًّا أو مضمون ما تكتبه وتطرحه.
وهذه ليست حالات افتراضية. فخلال تحرّكات 17 تشرين 2019، تعرّضت الصحافية مريم سيف لحملة تنمّر وصلت إلى السخرية من شكلها، وانتهى بها الأمر إلى مغادرة لبنان. وبحسب إحصاء لمنظمة «مراسلون بلا حدود»، استهدف نحو 30 في المئة من الانتهاكات المسجّلة بحقّ الإعلاميين خلال تلك التحرّكات صحافيات.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل كون الشخص سياسيًّا أو شخصية عامة يعني أنّ حياته الخاصة أصبحت مباحة؟
الجيوش الإلكترونية: حين يكون الهجوم منظّمًا
وتظهر أيضًا ظاهرة «الجيوش الإلكترونية» والحسابات الوهمية أو المنظّمة. فبعض الحملات قد لا تكون نتيجة تفاعل عفوي بين المستخدمين، بل قد تكون هناك حسابات تعمل بطريقة منظّمة لتضخيم هجوم معيّن أو مهاجمة شخصية سياسية أو الدفاع عنها.
وهذا يختلف عن موجة التنمّر التي تنتشر تلقائيًّا عندما يبدأ المستخدمون بتقليد بعضهم بعضًا.
وفي لبنان، وثّقت «مراسلون بلا حدود» نماذج واضحة على ذلك. ففي تشرين الثاني 2019، شُنّت حملة مضايقة واسعة على عدد من صحافيي قناة «الجديد».
قبل أن نقول “كنت أمزح“
قبل كتابة تعليق، تقترح برمو أن نسأل أنفسنا ثلاثة أسئلة: ماذا أنتقد؟ كيف أعبّر عنه؟ ولماذا أريد قوله؟
وتفرّق بين المزاح والتنمّر بالقول إنّ «المزاح الحقيقي فيه مساحة متبادلة». أي أنّ الشخص يستطيع أن يقول إنّ المزحة أزعجته، فيتوقّف الطرف الآخر.
أمّا عندما يعرف الشخص أنّ الآخر يتأذّى ويستمرّ، أو يكرّر السخرية منه، أو يحرّض الآخرين عليه، فلا يمكنه الاحتماء بعبارة «كنت أمزح». فالنيّة مهمّة، لكن عندما نعرف أنّ الآخر تأذّى، يُفترض أن تتغيّر طريقة تعاملنا معه.
لماذا تصبح الشاشة أكثر قسوة؟
ترى برمو أنّ الشاشة تخلق «مسافة نفسية». نحن لا نرى وجه الشخص الآخر ولا نسمع صوته ولا نرى ردّة فعله، ولذلك قد يكون من الأسهل كتابة كلام قاسٍ.
وتصبح المسافة أكبر عندما يكون الحساب مجهولًا، لأنّ الشخص لا يواجه مباشرة نتيجة ما كتبه.
وتوضح أنّ العدوانية موجودة بدرجات مختلفة في الحياة النفسية للإنسان، لكنّ الحدود الاجتماعية والأخلاقية تساعد عادةً على تنظيم طريقة التعبير عنها. خلف الشاشة، قد تضعف هذه الحدود.
هل يجعل التنمّر الشخص أقوى؟
تقول برمو: «لا يمكن وضع جميع الأشخاص الذين يمارسون التنمّر في إطار واحد. لكن في بعض الحالات، قد يمنح التنمّر الشخص شعورًا مؤقّتًا بالقوة أو السيطرة أو التفوّق».
وتضيف: «إذا كان الشخص يعاني من شعور بالنقص أو الهشاشة، فإنّ تحقير الآخر قد يمنحه للحظات إحساسًا بأنه الأقوى. ويمكن فهم ذلك من خلال بعض الآليات الدفاعية، مثل الإسقاط أو تحويل مشاعر العجز إلى موقع معاكس. فبدل أن يكون الشخص في موقع الضعيف أو المُهان، يصبح هو من يُهين الآخر».
لكنّ برمو تحذّر من اعتبار كل متنمّر «مريضًا نفسيًّا» أو افتراض أنّ وراء سلوكه اضطرابًا.
المشكلة تصبح أكثر جدّية عندما يتحوّل الأمر إلى نمط متكرّر، ويحتاج الشخص باستمرار إلى إذلال الآخرين حتى يشعر بالقوة، أو يفقد القدرة على رؤية الأذى الذي يسبّبه.
عندما يدخل الجمهور على الخط
تقول برمو إنّ جزءًا من التنمّر الجماعي يمكن فهمه من خلال ما طرحه سيغموند فرويد في «سيكولوجية الجماهير وتحليل الأنا». فعندما يصبح الفرد جزءًا من مجموعة، قد تتراجع لديه المسؤولية الفردية ويزداد تأثّره بسلوك الآخرين.
لذلك، قد يكتب شخص تعليقًا جارحًا لم يكن ليكتبه لو كان بمفرده، لمجرّد أنه يرى آلاف الأشخاص يفعلون الشيء نفسه. ومع انتشار الترندات، تتحوّل السخرية بسرعة إلى موجة جماعية. كل شخص قد يقول: «أنا كتبت تعليقًا واحدًا فقط»، لكنّ الشخص المستهدف يواجه مئات أو آلاف التعليقات.
أمّا الجيوش الإلكترونية والحسابات المنظّمة، فهي حالة مختلفة، لأنّ الأمر قد لا يكون مجرّد تفاعل تلقائي، بل حملة يجري تضخيمها أو توجيهها بشكل متعمّد.
عندما يصبح الهاتف مصدرًا للضغط
الحملة الجماعية يمكن أن تترك أثرًا مختلفًا عن تعليق سلبي واحد. فقد يشعر الشخص بأنّ الهجوم يلاحقه أينما ذهب، خصوصًا إذا كان الهاتف هو الوسيلة التي تصله من خلالها التعليقات طوال الوقت.
وبحسب شدّة الحملة ومدّتها والشخص نفسه، قد تظهر آثار مثل القلق والخجل والانسحاب الاجتماعي واضطرابات النوم، وفي بعض الحالات أعراض اكتئابية.
ولا يقتصر الأمر على المشاهير. شخص عادي تنتشر صورته أو فيديو له فجأة قد يجد نفسه أمام عدد كبير من التعليقات الساخرة، من دون أن يكون مستعدًّا لهذا النوع من الضغط.
ماذا يفعل من يتعرّض للتنمّر؟
تنصح برمو الشخص الذي يتعرّض لحملة تنمّر بألّا يحاول الردّ على آلاف الأشخاص واحدًا واحدًا، لأنّ ذلك سيستنزفه.
الأفضل استخدام الحظر والتبليغ، وتوثيق التهديدات والمضايقات الخطيرة، واللجوء إلى أشخاص موثوقين للحصول على الدعم.
وإذا بدأ الأمر يؤثّر على النوم أو الأكل أو النفسية أو العمل أو العلاقات، فمن الأفضل طلب مساعدة من أخصائي نفسي.
كما من المهمّ أن يذكّر الشخص نفسه بأنّ كلام المتنمّرين لا يحدّد قيمته. ما يحدث قد يكون انعكاسًا لمشاعر أو مشكلات لدى الأشخاص الذين يهاجمونه، وليس حكمًا حقيقيًّا عليه.
لحظة قبل الضغط على “إرسال“
أمّا المستخدم، فتدعوه برمو إلى التوقّف للحظة قبل نشر أيّ تعليق جارح، وطرح سؤالين:
“لو كان هذا الشخص جالسًا أمامي، هل كنت سأقول له الجملة نفسها؟” و”إذا كتب الجميع الجملة نفسها، ماذا سيكون أثرها عليه؟”
وترى أنّ عبارة «كونوا لطفاء» وحدها لا تكفي. المطلوب أن يتذكّر كل شخص أنّ وراء الحساب إنسانًا، وأنّ وراء التعليق مسؤولية فردية.
وربما السؤال الأهمّ هو: «لماذا أنا بحاجة إلى كتابة هذا التعليق؟ ماذا حرّك بداخلي هذا الشخص حتى أشعر أنني بحاجة إلى إهانته؟»
هنا يبدأ التفكير في شيء أبعد من مجرّد ضبط السلوك: محاولة فهم الغضب والعدوانية قبل تفريغهما في شخص آخر.
فالتفكير النفسي، بحسب برمو، يمنح الإنسان مساحة بين الشعور والفعل؛ مساحة يسأل فيها نفسه لماذا استفزّه شخص معيّن، ولماذا يشعر بالحاجة إلى مهاجمته، بدل أن يحوّل انفعاله مباشرة إلى أذى.
وفي النهاية، قد لا نستطيع منع كل تعليق جارح على مواقع التواصل، لكن يمكن لكل شخص أن يتحمّل مسؤولية كلمته.
فما قد يبدو للكاتب مجرّد جملة عابرة، قد يكون بالنسبة إلى شخص آخر جملة إضافية في يوم مليء بالأذى.
خلف كل حساب إنسان، وخلف كل كلمة مسؤولية.