المحور الذي تباهى أحد وجوهه يوماً باحتلال أربع عواصم عربية، وهدّد بحربٍ “بلا سقوف” تبلغ قبرص، بات اليوم يفاوض على شروط الاحتفاظ بسلاحه، ويبحث لفصائله عن مقاعد داخل الدولة، وينتظر إعفاءً أميركياً كي تهبط الطائرات الإيرانية في النجف..
في ذروة صعود “محور الممانعة”، كان السؤال الذي يطرحه المحور على خصومه: كيف ستتغير المنطقة؟ أما اليوم، فتدور أسئلة متزايدة حول شيء مختلف: كيف تُضبط الحرب؟ كيف يُحفظ السلاح؟ كيف يستمر خط الإمداد؟ كيف تبقى الفصائل داخل الدولة؟ وكيف تُدار تبعات حرب لم تعد قادرة بالسهولة نفسها على إنتاج النتيجة السياسية التي أُعلنت من أجلها؟
هنا يمكن فهم الانكماش: ليس اختفاءً للقوة، بل تراجعاً في قدرتها على فرض المعادلة، مقابل اضطرارها إلى إدارة القيود التي فرضتها المعادلة الجديدة.
من التهديد بقصف قبرص إلى الاحتفاظ بالسلاح
في حزيران ٢٠٢٤، كان حسن نصرالله يهدد بأنّ الحرب مع إسرائيل قد تمتد إلى البحر المتوسط وقبرص، متحدثاً عن مواجهة “بلا قواعد ولا سقوف”. بعد الحرب، لم يعد السؤال المركزي في لبنان إلى أي مدى يستطيع الحزب توسيع الجبهة، بل كيف يحافظ على سلاحه داخل دولة تريد استعادة احتكار القوة.
في أيلول ٢٠٢٦، أكّد نعيم قاسم رفض نزع السلاح قبل انسحاب إسرائيل من الجنوب، وربط أي حوار حول احتكار الدولة للسلاح بهذا الشرط. وفي المقابل، طرح نواف سلام معادلة مختلفة: السلاح يجب أن يخضع لسلطة الدولة، وأن يتولى الجيش والأجهزة الأمنية مسؤولية احتكار القوة.
لم يعد السلاح نقطة انطلاق القرار فقط. صار هو نفسه موضوع القرار. وهذا التحول لم يكن خاصاً بلبنان.
فصائل العراق: ماذا يفعل السلاح حين تنتهي وظيفة الحرب؟
في العراق، كانت الفصائل المسلحة لعقدين تقريباً جزءاً من مشروع مقاومة الوجود الأميركي. لكن السؤال الذي طرحته الدولة العراقية أصبح: ماذا يحدث لهذه القوة عندما تنتهي وظيفة الحرب؟
في تشرين الثاني ٢٠٢٥، قال رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إنّ إنهاء السلاح خارج مؤسسات الدولة مرتبط بانسحاب التحالف الدولي، وإن أمام الفصائل خيار الانضمام إلى المؤسسات الأمنية أو الانتقال إلى العمل السياسي.
الفصائل لم تختفِ. لكن وظيفتها تغيّرت: القوة التي كان يفترض أن تغيّر موقع الدولة تجاه الخارج، أصبحت تبحث عن موقع لها داخل الدولة نفسها. وهذا تكيّف، لا انكماش بالضرورة.
ولم تعد القوة تُقاس بالسلاح فقط. ففي آذار ٢٠٢٤، وقّعت شركة “المهندس” المرتبطة بالحشد الشعبي مذكرة تفاهم مع شركة صينية في مجالات البناء والهندسة والتجارة والطاقة. ليس هذا دليلاً بحد ذاته على ضعف الحشد، بل مؤشر إلى تحول القوة المسلحة نحو نفوذ مؤسسي واقتصادي.
السلاح الذي كان أداة لتغيير الدولة، صار يحتاج إلى موقع داخل الدولة كي يحافظ على أثره.
أربع عواصم عربية… ناقص ممرّ
لكن البقاء داخل الدولة لا يعالج مشكلة أخرى: فقدان العمق الجغرافي.
في ٢٠١٤، قال النائب الإيراني علي رضا زاكاني إنّ بغداد وبيروت ودمشق أصبحت بيد إيران، وإن صنعاء ستكون العاصمة العربية الرابعة التي تلتحق بالثورة الإيرانية.
بعد عقد، سقط نظام بشار الأسد، وسقط معه أحد أهم عناصر البنية الجغرافية لشبكة النفوذ الإيرانية. لم تكن دمشق مجرد عاصمة حليفة، بل حلقة في الطريق الذي ينقل السلاح من إيران، عبر العراق وسوريا، إلى حزب الله. وفي كانون الأول ٢٠٢٤ أقرّ نعيم قاسم بأنّ الحزب فقد طريق الإمداد العسكري عبر سوريا، حتى لو قال إن بالإمكان تعويضه بطرق أخرى.
إيجاد طريق بديل هو تكيّف. أما فقدان الدولة والممر اللذين شكلا جزءاً من البنية الأصلية، فهو انكماش في المجال الذي تستطيع الشبكة أن تعمل فيه.
من فتح الجبهات إلى عدّ الرحلات
وفي غزة يظهر تحول آخر: من مشروع تغيير إلى إدارة ما تبقى.
بعد ٧ تشرين الأول، لم يعد السؤال فقط ماذا تستطيع حماس أن تفعل عسكرياً، بل ماذا تستطيع أن تفعل بعد أن تغيّرت طبيعة القطاع نفسه. وفي تموز ٢٠٢٦، أعلنت الحركة حل حكومتها الفعلية والاستعداد لتسليم الإدارة إلى لجنة تكنوقراط فلسطينية ضمن مسار سياسي طُرح بدعم أميركي، فيما بقي ملفا الأمن والسلاح من أعقد نقاط الخلاف.
لا تحسم الخطوة مستقبل حماس، لكنها تكشف تحول السؤال السياسي: من القدرة على بدء الحرب وتغيير المعادلة، إلى القدرة على إدارة ما تبقى بعدها.
وهذا هو الخيط الذي يجمع الساحات الرئيسية: في لبنان، السلاح يحتاج إلى صيغة للبقاء داخل الدولة. في العراق، الفصائل تبحث عن وظيفة سياسية ومؤسسية. في سوريا، خسر المحور دولة وممراً لوجستياً. وفي غزة، دخلت حماس في سؤال الحكم والإدارة والإعمار، لا الحرب وحدها.
أما اليمن، فيبقى الاستثناء الذي يطرح السؤال الأصعب: هل تستطيع قوة عسكرية أن ترفع كلفة الحرب على خصمها من دون أن تملك وحدها القدرة على فرض شكل التسوية؟ هنا تكمن حدود القوة العسكرية حين لا تقترن بقدرة سياسية على إنتاج النتيجة.
وحتّى إيران نفسها باتت تتعامل أكثر فأكثر مع العقوبات، وخطوط النقل، وأمن الطاقة، والممرات البحرية والطيران، وهي مسائل كانت تبدو هامشية في زمن التوسع.
ولعل مشهد النجف في تشرين الأول ٢٠٢٦ يلخص التحول بطريقة أوضح من عشرات الخطب. سمحت بغداد لشركات الطيران الإيرانية، باستثناء “ماهان إير”، بتسيير ما يصل إلى ٤٠ رحلة يومياً من النجف وإليه، بعد تفاهم عراقي أميركي أتاح إعفاءً محدوداً من العقوبات.
لا تختصر أربعون رحلة نفوذ إيران في العراق، لكنها تكشف تغير نوع الأسئلة: شبكة كانت تتحدث عن الممرات والنفوذ والقواعد، أصبحت مضطرة أحياناً إلى إدارة سقف رحلات واستثناء من عقوبات كي تستمر الحركة.
وحكذا تتبدّل وظيفة القوة: من فتح الجبهات إلى ضبطها، ومن بناء الممرات إلى البحث عن بدائل لها، ومن فرض موقع الفصائل على الدولة إلى تأمين موقعها داخل الدولة.
المشروع الذي كان يقيس قوته بقدرته على تغيير المنطقة، بات يقيس نجاحه بقدرته على الحفاظ على موقعه داخلها.
إقرأ أيضاً: بعثة أوروبية إلى لبنان: سدٌّ لفراغ “اليونيفيل” أم استشارةٌ بلا أنياب؟