بين تعهّدات الحزب ونوايا تل أبيب، يبقى لبنان معلّقاً على حبل مشدود: لا ضمانات تحميه، ولا دولة تملك وحدها قرار مصيره.
عشية الانتخابات الإسرائيلية، يواجه لبنان سؤالاً يتجاوز هوية الحكومة المقبلة في تل أبيب: هل يستطيع تجنّب حرب جديدة إذا اتسعت المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران، أم سيجد نفسه مجدداً ساحةً لصراع لا يملك قرار إشعاله ولا قدرة تحمّل نتائجه؟ وهل يشكّل التعهّد المنقول عن حزب الله بعدم التدخل فرصة لتحييد البلاد، أم رهاناً لا تملك الدولة ضماناته؟
قد تؤثّر الانتخابات الإسرائيلية في حسابات الحكومة المقبلة، فيما تحدثت تقارير عن احتمالات استئناف الضربات على إيران بعد الانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني، من دون تأكيد وجود قرار نهائي. لكن احتمال التصعيد وحده يفرض على لبنان الاستعداد بدل انتظار قرارات العواصم الأخرى.
تعهّد حزب الله: معلومة لا ضمانة
بحسب تقرير نشرته “الشرق الأوسط” في ٢٥ تشرين الأول ونقلته “النهارنت”، أبلغ حزب الله رئيس مجلس النواب نبيه بري أنه لن يتدخل إذا اندلعت حرب على إيران، فنقل بري الموقف إلى رئيس الجمهورية جوزيف عون. وفي رواية منفصلة، نُسب إلى مصادر برلمانية أنّ نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده أبلغ نواباً من الثنائي الشيعي أنّ طهران لن تطلب من الحزب التدخل إذا تعرضت لهجوم أميركي.
لم يُؤكَّد الموقفان رسمياً، ولا تتوافر تأكيدات مستقلة كافية تثبتهما. كما نفت السفارة الإيرانية تقارير تتعلق بزيارة خطيب زاده ومضمون لقاءاته، من دون أن يحسم ذلك وحده صحة التعهّد أو بطلانه. فغياب التأكيد الرسمي لا يعني أنّ التعهّد لم يحصل، بل أنّ صحته ومضمونه لا يزالان غير محسومين علناً. ولا يصح اتهام الحزب مسبقاً بالكذب، كما لا يصح التعامل مع تعهّد منقول باعتباره ضمانة مؤكدة.
وتزداد أهمية هذا التحفظ في ضوء ما أوردته “الشرق الأوسط” عن تعهّد سابق نُقل إلى بري بعدم التدخّل، أعقبه إطلاق الحزب ستة صواريخ على إسرائيل في آذار ٢٠٢٦، قبل أن يعلن مسؤوليته عنها. لا يثبت ذلك أنّ التعهّد الحالي سيلقى المصير نفسه، لكنّه يجعل سجل الالتزام السابق ضرورياً في تقييم الموقف الجديد.
قد تفضّل طهران إبقاء الحزب خارج الحرب لتجنّب استنزافه وفتح جبهة إضافية، لكن حساباتها قد تتبدل إذا رأت أنّ النظام أو قدراتها الاستراتيجية يواجهان تهديداً وجودياً. وحتّى إذا بقي الحزب خارج المواجهة، لن يصبح لبنان محصّناً تلقائياً، فقد تستغل إسرائيل انشغال إيران لتكثيف الضغط على الحزب أو استهداف ما تعتبره بنيته العسكرية واللوجستية. أما إذا تدخل، فقد تتوسع الضربات والدمار والنزوح، وتتفاقم أزمة الدولة وعجزها عن ضبط قرار الحرب والسلم. في الحالتين، لا يضمن عدم التدخل امتناع إسرائيل عن استهداف لبنان.
داخلياً، قد ترى قوى معارضة في التعهّد فرصة لتعزيز سيادة الدولة، فيما قد يعتبره مؤيدو الحزب تنازلاً عن الردع أو الالتزامات الإقليمية. ومن دون حد أدنى من التفاهم السياسي، قد تتحول خطة الطوارئ إلى ساحة نزاع على المسؤوليات والموارد. ويبقى السؤال: من يملك قرار إشراك لبنان في حرب، ومن يتحمل نتائجها؟
ثلاثة مسارات وفاتورة باهظة
المسار الأول هو احتواء المواجهة الإقليمية بالتوازي مع وقف الهجمات على لبنان والانسحاب الإسرائيلي وتعزيز انتشار الجيش وبدء إعادة الإعمار، بما يحوّل التهدئة إلى ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ.
الثاني استمرار الاستنزاف من دون حرب شاملة أو تسوية مستقرة: ضربات وتهديدات، وتأخّر في عودة السكان والإعمار، وجنوب عالق بين هدوء هش واحتمال الانفجار. وهذا ليس سلاماً، بل نزيف اقتصادي واجتماعي مستمر.
أما الثالث فهو امتداد الحرب على إيران إلى لبنان. إذا بقي الحزب خارجها، فقد ينخفض خطر التصعيد من جانبه، لكن ذلك لا يضمن امتناع إسرائيل عن استهدافه. وإذا تدخل، فقد تتوسع الحرب وتزداد الخسائر. وفي الحالتين، تبقى الدولة مسؤولة عن حماية المدنيين والاستعداد.
في قرى الجنوب والبقاع والضاحية، حيث يحاول السكان إعادة بناء حياتهم في بيوت متضررة أو نصف مدمّرة، لا يُقرأ احتمال الحرب كرقم في تقرير، بل كسؤال يومي: هل يعيدون بناء حياتهم، أم ينتظرون ضربة أخرى؟
المسافة بين الحسابات الاستراتيجية في طهران وواشنطن وتل أبيب، وأمن بيت في بنت جبيل أو الخيام أو صور، هي جوهر الكلفة اللبنانية.
قدّر البنك الدولي انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة ٦.٤ في المئة خلال ٢٠٢٦، بعدما سجل نمواً مقداره ٤.٢ في المئة عام ٢٠٢٥، معتبراً أنّ تجدّد النزاع عرقل التعافي الهش. وأي تصعيد جديد سيضر بالاستثمار والسياحة والتجارة وفرص العمل والمالية العامة، فيما قد ترفع اضطرابات طرق الطاقة والشحن تكاليف النقل والتأمين وأسعار السلع. وإعادة الإعمار تحتاج إلى تمويل خارجي واستقرار أمني وثقة دولية، ما يجعل الحرب تهديداً للتعافي في لبنان كله، لا للجنوب وحده.
مؤشرات تستحق المتابعة
لا تكفي التصريحات السياسية لتقدير ما إذا كان لبنان يقترب من الحرب أو يبتعد عنها. ثمة خمسة مؤشرات تستحق المتابعة:
الموقف الإيراني: هل تصدر عن طهران تصريحات رسمية واضحة بشأن دور حزب الله إذا تعرضت لهجوم، أم تبقى الرسائل منقولة عبر مصادر سياسية وبرلمانية؟
سلوك حزب الله: هل يلتزم فعلياً عدم التدخل إذا ضُربت إيران، أم تظهر تحركات أو تصريحات تشير إلى تبدّل حساباته؟
التحركات الإسرائيلية: هل تتسع الضربات والتهديدات في لبنان، أم تظهر مؤشرات إلى خفض التصعيد وترتيبات أمنية؟
المسار الأميركي: هل تتقدم الجهود الدبلوماسية لاحتواء المواجهة مع إيران، أم تتزايد مؤشرات الخيار العسكري؟
الاستعداد اللبناني: هل تتحول تصريحات الحكومة إلى خطط طوارئ وتمويل وتجهيزات فعلية للجيش والإغاثة؟
لا يشكل أي مؤشر منفرد دليلاً حاسماً، لكن اجتماعها أو تغيرها السريع قد يساعد في تقدير اتجاه المخاطر، بدلاً من التعامل مع كل تصريح بوصفه حقيقة نهائية.
ما الذي ينبغي للدولة فعله الآن؟
أولاً، تكثيف الاتصالات مع واشنطن وباريس والأمم المتحدة والدول العربية لمنع توسيع الحرب إلى لبنان، والمطالبة بوقف الهجمات والانسحاب الإسرائيلي وترتيبات تحمي الحدود والسكان.
ثانياً، تحويل العلاقات مع دول الخليج ومصر إلى شراكة عملية تشمل الدعم الدبلوماسي والإنساني ومساندة الجيش وتمويل التعافي والإعمار. واستئناف السعودية استقبال الصادرات اللبنانية في حزيران ٢٠٢٦ يبيّن إمكان التعاون الاقتصادي، لكنه لا يضمن تمويل الإعمار، الذي يحتاج إلى استقرار وإدارة شفافة وإصلاحات جدية.
ثالثاً، تزويد الجيش بإمكانات المراقبة والاستطلاع والاتصالات الآمنة والدعم اللوجستي والتدريب والتمويل المستدام. فقرار مجلس الأمن ٢٧٩٠ ينص على انتهاء عمليات “اليونيفيل” في ٣١ كانون الأول ٢٠٢٦ وبدء انسحاب منظم خلال عام. ومع انتقال مسؤوليات أمنية أكبر إلى الجيش، تبرز فجوة لوجستية ومالية لا تُسدّ بالقرارات وحدها.
رابعاً، تجهيز خطة طوارئ قابلة للتنفيذ تشمل الإخلاء ومراكز الإيواء والأدوية والمياه والكهرباء والاتصالات، مع تحديد المسؤوليات والتنسيق مع البلديات والصليب الأحمر والأمم المتحدة.
لكن التحدي هو التنفيذ. فالشلل المؤسسي وتنازع الصلاحيات وضعف التمويل وغياب المساءلة قد تعطل الخطط عند الحاجة. المطلوب استعداد فعلي قبل بدء الضربات، سواء بقي الحزب خارج المواجهة أو تدخل فيها.
من يملك قرار الحرب والسلم؟
لا تمنح الانتخابات الإسرائيلية والحسابات الأميركية والإيرانية لبنان ضمانة بالحرب أو السلام. والتعهّد المنقول عن حزب الله، إن تأكّد، قد يقلل احتمال تدخله، لكنه لا يعوّض غياب استراتيجية وطنية لحماية البلاد.
الخطر أن يدخل لبنان حرباً جديدة بلا قرار وطني موحّد ولا استعداد كافٍ لحماية المدنيين، ثم يدفع ثمنها دماراً ونزوحاً وانكماشاً اقتصادياً من دون ضمان نتيجة سياسية أو أمنية مستقرة. تجنّب الحرب يتطلب دبلوماسية فاعلة، وجيشاً قادراً، وخطة طوارئ قابلة للتنفيذ، وشراكات عربية ودولية تستند إلى الثقة والإصلاح، وقراراً واضحاً بأنّ مصير البلاد لا يجوز أن يتحدد خارج مؤسساتها.
فهل يستطيع لبنان تحويل هذه اللحظة إلى فرصة للانتقال من موقع الساحة المتلقية إلى موقع الدولة الضامنة لسيادتها، أم سيظل رهينة قرارات تُحسم خلف الحدود؟