من القاهرة عام ١٩٦٩ إلى حاجز ضهر البيدر اليوم، سيرةُ القرارات التي أجّلتها الدولة ودفع اللبنانيون ثمنها دماً وانهياراً. فلماذا ما زلنا نطرح السؤال نفسه؟
لم يدفع لبنان ثمن الحروب والاعتداءات الخارجية وحدها، بل دفع أيضاً ثمن القرارات السيادية التي أُجّلت مراراً خوفاً من كلفة اتخاذها. فمنذ أواخر الستينيات، تكرّر نمط سياسي خطير: تتراجع الدولة أمام قوة مسلّحة أو تسوية مفروضة. ثم تتكيّف مع الأمر الواقع باسم “منع الفتنة”، قبل أن تجد نفسها أمام أزمة أعمق وانقسام أشدّ. لا يفسّر هذا النمط وحده كل تحولات التاريخ اللبناني، لكنه يطرح السؤال الذي ظلّ معلّقاً لعقود: من يملك قرار الحرب والسلم، الدولة أم القوى المسلحة خارج سلطتها؟
الجذر: اتفاق القاهرة والانكسار الأول
شكّل اتفاق القاهرة عام ١٩٦٩ محطة مفصلية، إذ نظّم الوجود والعمل الفلسطيني المسلح، وقيّد عملياً قدرة الدولة على فرض سيادتها الكاملة في مناطق تحوّلت إلى قواعد للعمل الفدائي. جاء الاتفاق في سياق عربي وإقليمي ضاغط عقب نكسة ١٩٦٧، ولكنه أسهم في تكريس واقع تقاسمت فيه السلطة قرارها مع قوة مسلحة مستقلة عنها.
لم يكن الاتفاق وحده سبب الحرب الأهلية، فالاحتقان الطائفي والسياسي والتسلح المتبادل والتدخلات الخارجية كلها عوامل سبقت الانفجار وأغذّته. لكن عجز الدولة عن احتكار القوة، والتعامل مع السلاح خارج مؤسساتها كأمر واقع، جعلا المواجهة أكثر احتمالاً وأصعب احتواءً.
في عام ١٩٧٣، تصاعد الصدام بين الجيش والفصائل الفلسطينية. ثم جاءت حادثة بوسطة عين الرمانة في ١٣ نيسان ١٩٧٥ لتكون الشرارة التي أطلقت حرباً أهلية امتدت خمسة عشر عاماً. وتقدّر مراجع تاريخية وأكاديمية متعددة حصيلة القتلى بين ١٠٠ ألف و١٥٠ ألف قتيل، مع تأكيد الباحثين على تضارب التقديرات وغياب رقم نهائي متفق عليه. ومن الكرنتينا والدامور إلى تل الزعتر وضبية، وصولاً إلى مجزرة صبرا وشاتيلا عام ١٩٨٢، دفع المدنيون واللاجئون الثمن الأفدح لانفلات السلاح وغياب الدولة.
الحرب والاحتلالات: دولة تتراجع
لم يبقَ الصراع داخلياً. اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان عام ١٩٧٨، ثم غزت البلاد عام ١٩٨٢ ووصلت إلى العاصمة بيروت. وخلّف اجتياح عام ١٩٨٢ وحده عشرات آلاف القتلى والجرحى بحسب تقديرات مصادر رسمية وأكاديمية، إلى جانب دمار واسع في البنية التحتية.
تكرّست لاحقاً سنوات طويلة من الاحتلال والحروب المتعاقبة، وأصبح لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وفي موازاة ذلك، تمدّد النفوذ العسكري والسياسي السوري واستمر حتى انسحاب القوات السورية عام ٢٠٠٥. كما تصاعد النفوذ والدعم الإيراني المباشر عبر حزب الله لتثبيت واقع التوازن المسلح في البلاد.
لا يمكن ردّ الاجتياحات والاعتداءات الإسرائيلية أو الوصاية الخارجية إلى تردّد الدولة وحده، فلكل منها ظروفها ومرتكبوها ومسؤولياتها المباشرة. لكن القاسم المشترك كان هشاشة السيادة، وتحويل لبنان مراراً إلى ساحة تتجاوز فيها القوى المسلحة والدول الخارجية المؤسسات الدستورية.
الطائف والاستثناء المسلّح: ٧ أيار ومسلسل الاغتيالات
أنهى اتفاق الطائف عام ١٩٨٩ الحرب الأهلية، ونصّ صراحة على حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها. غير أنّ سلاح حزب الله بقي استثناءً خارج التطبيق الكامل لهذا المبدأ تحت عنوان “مقاومة الاحتلال الإسرائيلي”. ثم اكتسب هذا السلاح تبريرات إضافية لاستمراره بعد الانسحاب الإسرائيلي عام ٢٠٠٠.
تستند حجة الحزب وأنصاره إلى أنّ إسرائيل تشكل تهديداً مستمراً. ويرون أن الجيش لم يمتلك القدرات التسليحية الكافية لمواجهتها، وأنّ المقاومة حررت الأرض. وهي اعتبارات لا يمكن إغفالها في بلد تعرّض للاحتلال. لكن الاعتراف بالخطر الإسرائيلي لا يحسم السؤال السيادي: هل تكون المواجهة عبر استراتيجية دفاعية تقررها الدولة، أم عبر تنظيم يحتفظ بقرار عسكري مستقل؟
كشفت أحداث ٧ أيار ٢٠٠٨ أبعاداً جديدة لهذا الاستثناء، إذ أثبتت الأحداث أنّ السلاح، وبعيداً عن جبهة الجنوب، قادر في لحظات الاحتقان على التحول للداخل واستخدامه حاسماً لفرض تسوية وسياسات بالقوة.
وفي السياق نفسه، جاء مسلسل الاغتيالات السياسية والصحافية، من كمال جنبلاط وبشير الجميل ورينيه معوض، إلى رفيق الحريري وسمير قصير وجبران تويني وبيار الجميل ومحمد شطح وغيرهم، ليعمّق أزمة الثقة. ورغم أنّ هذه الجرائم وقعت في سياقات مختلفة وتحقيقات بمسؤوليات قضائية متعددة لا يجوز جمعها في اتهام واحد بلا أدلة، إلا أنها مجتمعة فرضت مناخاً من الترهيب السياسي، وأضعفت الحياة العامة والسلطات الشرعية.
الدرس الأردني: الحسم ومكاسب السيادة
وتقدّم التجربة الأردنية عامَي ١٩٧٠ و١٩٧١ مقارنة تاريخية ذكية: اختار الأردن المواجهة العسكرية المباشرة مع الفصائل الفلسطينية المسلحة، ودفع كلفة بشرية وسياسية مرتفعة واغتيال رئيس وزرائه وصفي التل، لكنه حسم في النهاية وجود قوة مسلحة تنازع الدولة سلطتها، وفرض قراراً نهائياً بحصرية السلاح بيد المؤسسات الرسمية.
والدرس هنا ليس في نقل أو تكرار نموذج المواجهة المسلحة ذاته، بل في إثبات حقيقة سياسية: إنّ قرار الحرب والسلم لا يمكن أن يتجزأ أو يبقى خارج مؤسسات الدولة، وأن تأجيل حسم هذه المسألة لا يلغي الكلفة بل يضاعفها ويرفع ثمنها عبر العقود.
الكلفة الاقتصادية: الثمن الخفي للتردد
ثمن السلاح المنفلت لا يُقاس بالقتلى والدمار المباشر وحدهما. فالحروب المتعاقبة دمرت البنية التحتية، وطردت الاستثمارات، وهجّرت العقول والشباب، وحوّلت موارد البلد نحو إعادة الإعمار والتعويضات بدل التعليم والصحة والنمو.
كما أسهم الاستثناء المسلّح في نمو اقتصاد موازٍ وشبكات تهريب ومصالح تنمو خارج نطاق القانون والمحاسبة. ولا يعني ذلك أنّ السلاح وحده يفسر الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي، فالفساد والمحاصصة وسوء الإدارة المالية أسباب رئيسية أيضاً. لكن دولة لا تحتكر قرار الحرب والسلم تجد صعوبة بالغة في بناء نظام اقتصادي مستقر، لأن رأس المال لا يستثمر في بيئة يتخذ فيها قرار الحرب خارج المؤسسات الدستورية.
الاختبار الحالي: قضية ضهر البيدر وحصرية السلاح
اليوم، يعود السؤال إلى الواجهة مع مساعي الدولة لتأكيد حصرية السلاح بيدها، وفي ظل استمرار التهديدات والاعتداءات الإسرائيلية. وتأتي قضية المتفجرات المضبوطة عند حاجز ضهر البيدر في تشرين الأول ٢٠٢٦ لتضع الدولة أمام اختبار مباشر.
أعلن حزب الله أنّ الشحنة المضبوطة تعود إليه وأنها مخصصة للعمليات ضد القوات الإسرائيلية. وبناءً عليه، إنّ إعلان جهة حزبية ملكيتها لهذه المواد لا يلغي الحق الواجب للدولة في التحقيق المستقل.
المطلوب اليوم ليس دفع اللبنانيين إلى مواجهة داخلية جديدة، ولا تجاهل الخطر الإسرائيلي والاعتداءات المستمرة، بل إنهاء ازدواجية القرار عبر مسار قانوني ومؤسساتي حاسم، مسار يقوّي الجيش، ويعالج المخاوف الأمنية، ويلزم إسرائيل بوقف اعتداءاتها والانسحاب من الأراضي المحتلة.
من اتفاق القاهرة إلى الطائف، ومن الحروب والاحتلالات إلى أزمات اليوم، تتكرر العبرة ذاتها: كل استثناء مؤقّت يتحول إلى واقع دائم، وكل قرار مؤجل يجعل كلفة الحسم أعلى. لا تستطيع الدولة استعادة سيادتها واقتصادها إذا بقي قرار الحرب والسلم موزعاً بين مؤسساتها وتنظيم مسلح خارجها. والتاريخ لا يفرض على لبنان تكرار حروبه، لكنه يحذّره من أن الخوف من المواجهة السياسية والقانونية اليوم قد يترك البلاد تدفع ثمنها الباهظ مرّة أخرى.
إقرأ أيضاً: لبنان أمام اختبار الحرب: هل تكفي تعهّدات الحزب لإنقاذه؟