معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

ساطع نور الدين: فلسطينيو إسرائيل.. يتحدّون ديموقراطيتها

المساعدة البصرية: حجم الخط

يقرأ ساطع نور الدين في صعود فلسطينيي الـ48 إلى موقع القوّة الثالثة في الكنيست انتفاضةً انتخابية، قد تعيد إنتاج القضية الفلسطينية من داخل الدولة اليهودية نفسها.

 

هي إمّا أن تكون دليلاً على «عبقرية» النظام السياسي الإسرائيلي، أو على متاهته: أن ينهض فلسطينيو الـ48 من سباتهم، ليكرّسوا أنفسهم بوصفهم القوّة الثالثة في الكنيست، ويتحوّلوا بين ليلة انتخابية وضحاها إلى كتلة نيابية حاسمة، مانعة، أو ربما معطّلة للعملية السياسية-الديموقراطية في الدولة اليهودية.

في مواجهة قرار التصفية

وما يزيد من أهمية هذا التطوّر المفاجئ في الحياة السياسية الإسرائيلية، أنّه يتعارض مع قرار إسرائيلي حاسم ونافذ ينصّ على السعي إلى تصفية الشعب الفلسطيني وقضيته خارج حدود الدولة اليهودية، بما يؤسّس في المقام الأول للفصل التامّ بين فلسطينيي الـ48 المقيمين في الداخل وبين فلسطينيي الـ67، الموزّعين على الشتات والمخيمات والهويات البديلة.

ولعلّ في هذا الفصل ما يمهّد في مرحلة لاحقة لتولّي أو حتى لاسترداد فلسطينيي الداخل دورهم التاريخي في قيادة العمل الوطني في مواجهة المشروع الصهيوني، القومي والديني، بعد هجرة إجبارية للشعب والقضية إلى دول الجوار العربي امتدّت منذ سقوط القدس في العام 1967، وحتى اليوم، وكانت حصيلتها النهائية مخيّبة للآمال الوطنية، بل مدمِّرة لتطلّعات الحرية والاستقلال وتقرير المصير، بل للهوية الوطنية نفسها.

سدّ الفراغ الفلسطيني

وبهذا المعنى يجوز القول إنّ فلسطينيي الـ48، الذين لا لبس في تمسّكهم بتلك الهوية حتى في ذروة الاندماج بالدولة اليهودية ومؤسساتها، يسدّون اليوم فراغاً هائلاً في الكيان السياسي الفلسطيني العام، لم يسمح للفلسطينيين، على الرغم من حيويتهم السياسية، من إنتاج جسم سياسي بديل يزيح السلطة الفلسطينية المتهالكة في رام الله من السلطة، ويطيح بحركة حماس المحطّمة التي جلبت النكبة الأخيرة إلى قطاع غزة.

إعادة تشكيل القيادة من مسافة الصفر

ثمّة ما يسمح بالتكهّن بأنّ الدولة اليهودية التي مارست كلّ صنوف الإبادة الجماعية بحقّ الفلسطينيين، من دون أن تنجح في إخماد ثوراتهم المستحيلة، قد تجد نفسها اليوم معنيّة بإعادة تشكيل القيادة الفلسطينية، من نقطة الصفر، ومن مسافة الصفر، أي من ذلك العمق الفلسطيني الأول، الذي حاولت بشتّى السبل أن تضبطه وتحتويه، سواء عندما كانت الخطط التأسيسية للحركة الصهيونية تنصّ على شراء الأرض والسكان معاً، أو عندما حرمت فلسطينيي الـ48 من حقوقهم السياسية والمدنية، أو عندما سعت، ولا تزال، إلى تفجير مجتمعاتهم بظاهرة الجريمة المنظّمة.

المفاجأة المدوّية

لا دليل حتى الآن على أنّ إسرائيل قرّرت فعلاً المضيّ في هذا الاتجاه، وهي التي سعت مجدّداً في المعركة الانتخابية الأخيرة إلى حرمان فلسطينيي الـ48 من حقّهم في الترشّح كلوائح وكتل عربية مستقلّة، لكنّ محكمتها العليا حكمت على مرشّح فلسطيني واحد بالحرمان من خوض الانتخابات.. التي انتهت إلى تلك المفاجأة المدوّية، لا سيّما في وجهها الإسلامي «البراغماتي» (الكتلة العربية الموحّدة) الذي يعترف بيهودية الدولة وعاصمتها الموحّدة، الذي يقوّض شعارات الإسلام السياسي العربي كلّه، وليس فقط حركتي حماس والجهاد الإسلاميتين..

من الخدمات إلى القيادة

المهمّ الآن أنّ ذلك الإنجاز التاريخي الذي حقّقه فلسطينيو الـ48، سيبقى علامة فارقة تحكم اللعبة السياسية الإسرائيلية لسنوات مقبلة، وهي تمضي بالتوازي مع ضياع فلسطيني شديد في كلّ من رام الله وغزة، ينذر بتحوّل النواب الـ19 في الكنيست من منظّمي خدمات اجتماعية في مدنهم وبلداتهم، إلى قادة، أو على الأقلّ إلى عناوين تفاعل سياسي مع فلسطينيي الضفة وغزة في الفترة المقبلة، تلغي الحاجة إلى عناوين خارجية مثل الدوحة، أو حتى القاهرة وعمّان.. و«اللوبي الفلسطيني» المتداعي في العواصم الثلاث.

انتفاضة في صناديق الاقتراع

هي بمثابة انتفاضة جديدة، أطلقها فلسطينيو الـ48 في صناديق الاقتراع الإسرائيلية، ضدّ التهديد والترهيب والتمييز العنصري، الذي قادته أكثر حكومة عنصرية في تاريخ إسرائيل.. وأسفر عن متاهة يهودية عنوانها البحث الجدّي في ما إذا كان يجوز شرعاً إشراك عرب الداخل الفلسطيني الأول في تشكيل الحكومة المقبلة، ودمجهم التامّ والنهائي في العملية الديموقراطية الإسرائيلية، التي تشي بإمكان إعادة إنتاج القضية الفلسطينية.

نقلاً عن فيسبوك