بعد ساعات على إعلان فوزه بمقعد ميشيغان في مجلس الشيوخ الأمريكي، صار «عبدول السيد» بطلاً على صفحات عربية وإسلامية كثيرة. احتفل به كثيرون ولم يقرأ أحد تقريباً ما يقوله الرجل، ولا ما يتجنب قوله. وفي سجله ما يستحق أن يُقرأ قبل التصفيق، خصوصاً في الملفات التي تعني اللبنانيين والسوريين والخليجيين مباشرة.
الاسم وحده
فاز «عبد الرحمن السيد»، المعروف بـ«عبدول السيد»، بمقعد ولاية ميشيغان في مجلس الشيوخ، وهزم الجمهوري «مايك روجرز». وبعد ساعات امتلأت مواقع التواصل، من بيروت إلى دمشق ومن غزة إلى مصر، بالتهاني والتكبيرات وعبارات مثل «فخر للأمة». اسأل أي محتفل عن موقف الرجل من قضية تعنيه، فلن تجد عنده جواباً. كل ما يعرفه أن اسمه عبد الرحمن.
أمريكي من ميشيغان
نبدأ بما فات المحتفلين. السيد ليس لبنانياً ولا سورياً ولا فلسطينياً ولا خليجياً. هو أمريكي من أصل مصري، وُلد عام ١٩٨٤ في «روتشستر هيلز» بولاية ميشيغان لأبوين هاجرا من مصر، ونشأ في منطقة «ديترويت». انتخبه ناخبو ميشيغان ليخدم مصالح ميشيغان. فمن أين جاء الشعور بأنه «منا»؟ وماذا سيصلكم من مقعده، على بعد آلاف الأميال، غير الصور؟
أسدٌ في ما يحرّمه دينكم
من يريد أن يعرف بماذا يؤمن الرجل، يجد الجواب واضحاً في ما يعدّه دينه من المحرمات الكبرى. يريد السيد تحويل قاعدة «رو ضد ويد» إلى قانون فيدرالي يبيح الإجهاض في أنحاء أمريكا. يدعم تمويل «بلاند بارنتهود»، أكبر شبكة عيادات إجهاض في البلاد، ويرفض أي قيد حكومي على الرعاية الإنجابية. يؤيد الرعاية الطبية المؤكدة للجندر للقاصرين، ويدافع عن حقوق المتحولين جنسياً في المدارس، ويطالب بتعليم جنسي شامل يتناول الهوية الجنسية والجندرية. يساوي بين المثلية والغيرية، ويدعم العلاج الطبي لمن يريد تغيير جنسه والرعاية التي تلي ذلك. ويدعو إلى فصل الدين عن الدولة، ويتعهد بأن يكون «أسداً للحقوق» في هذه المعارك.
هو لا يتساهل في هذه الأمور ولا يغضّ الطرف عنها، بل يخوض معاركها. ومع ذلك تصفقون له باسم الإسلام، كأن الإسلام اسم يُعلّق على الصدر ويكفي.
خصومه وأنصاره يخطئون للسبب نفسه
بعض الأمريكيين غير المسلمين منزعجون من فوزه لأنه «مسلم»، وخطؤهم مضحك. فالرجل في الإجهاض والجندر والعلمنة أصدق ممثل للتيار الليبرالي اليساري الذي يضيقون به أصلاً. لو قرؤوا برنامجه من دون أن يروا اسمه، لقالوا إنه ديمقراطي تقدمي عادي. وفي الجهة الأخرى، يحتفي به مسلمون عرب وأجانب لأنه «مسلم»، بينما يقف في هذه القضايا حيث يقف خصومهم الفكريون. الفريقان يحكمان عليه بالعنوان: الأول يخافه بسببه، والثاني يفرح به بسببه، ولا أحد منهما يقرأ المضمون.
إيران: الأسد يتحول إلى رجل حذر
في الأسئلة التي تهمنا نحن، يصبح الرجل رمادياً فجأة. الأسد الذي يتعهد بالدفاع عن الحقوق ينتقي كلماته بحذر شديد.
في سبتمبر ٢٠٢٦، روى له سائل إيراني أمريكي كيف اضطهد النظام أفراداً من عائلته، وسأله إن كان يقف ضد الحرس الثوري الإيراني. لم يُدن السيد الحرس بالاسم، وتحدث عن رفضه تغيير النظام بالقوة العسكرية الأمريكية. وبحسب تسجيل نُشر في مارس ٢٠٢٦، امتنع عن التعليق على مقتل «علي خامنئي»، وقال إن في «ديربورن» أناساً حزينين عليه.
لا دليل على أنه يؤيد «طهران»، لكن الصمت في أسئلة كهذه موقف. من يجد كلمة لكل قضية ولا يقول جملة واحدة يسمّي فيها الحرس الثوري، اختار ألا يقولها.
لبنان: لا كلمة عن السلاح
في الملف اللبناني وجد الرمادي مرتعاً. في مقابلة مع مجلة «ذا نيويوركر» في الثالث من أغسطس ٢٠٢٦، سأله الصحفي عن ظهوره الانتخابي مع «حسن بيكر»، الذي سبق أن قال إنه لا مشكلة لديه مع حزب الله، وطلب منه أن يحدد أين يختلف معه. المقابلة لا تثبت أنه يتبنى موقف «بيكر»، لكنها خلت من أي إدانة مباشرة منه للحزب.
وفي مناظرة بتاريخ ٨ أكتوبر ٢٠٢٦، اتهم إسرائيل بأنها جرّت أمريكا إلى الحرب مع إيران بهدف ضم جنوب لبنان. ادعاء بلا سند: إسرائيل لم تعلن أي مطالبة بضم الجنوب، وحزب الله هو من أطلق الهجوم الذي أدخلها الحرب، بحسب تقرير «تايمز أوف إسرائيل». في روايته يصير لبنان ورقة في لعبة بين واشنطن وتل أبيب، ويختفي منها الطرف الذي يحمل السلاح خارج الدولة.
أما السؤال الذي ينتظر اللبنانيون جوابه، فبقي معلقاً: هل يؤيد أن يكون الجيش اللبناني وحده صاحب قرار الحرب والسلم، وأن تُنزع الأسلحة غير الشرعية؟ لم يُنقل عنه جواب. وهل يقرّ بأن حزباً مسلحاً مرتبطاً بإيران عرّض لبنان للحروب والتدخلات؟ لم يُنقل عنه جواب أيضاً.
سوريا: صمت كامل
الحال في سوريا لا يختلف. لم يُنقل عنه موقف معلن من «بشار الأسد»، ولا من «أحمد الشرع»، ولا من الثورة السورية نفسها. لن نقوّله ما لم يقل، لكن المقارنة مفيدة. في مقابلة مع «الشرق الأوسط» في ديسمبر ٢٠٢٤، قال الشرع إن إسقاط الأسد أضعف المشروع الإيراني، وإن إخراج الميليشيات الإيرانية من سوريا يخدم أمن الخليج. ثم أكد في يوليو ٢٠٢٦ دعمه لسيادة لبنان وحصر السلاح بيد الدولة.
الرجل الذي يحكم بلداً كاملاً يتحدث عن إيران بوضوح، والرجل الذي سيجلس في مجلس الشيوخ يتهرب. والأسد، لمن نسي، كان حليف إيران الأول، فتح بلاده للحرس الثوري، وقاتل حزب الله إلى جانبه. سوريا اليوم تنتظر من يساندها، فماذا سيقول سيناتور ميشيغان؟ لا نعرف.
حماس: إدانة من الوسط
في ملف «حماس»، قال السيد إنه أدان هجوم السابع من أكتوبر ووصفه بجريمة حرب، ومن الإنصاف أن نذكر ذلك. لكن منتقديه يقولون إن إدانته جاءت متأخرة، وإنه لا يصف «حماس» بالمنظمة الإرهابية، ويساوي بين انتهاكاتها وانتهاكات إسرائيل. هكذا يقف في الوسط، يجمع أصوات الجهتين، ثم يتحدث باسم «القضية».
مرسي: حين يتضح اللون
في الملفات القديمة تبدو الصورة أوضح. في نوفمبر ٢٠١٢، كان السيد طالباً في جامعة «كولومبيا»، ووقّع مع ٤٦ مصرياً أمريكياً بياناً يؤيد قرارات الرئيس «محمد مرسي» ويدعوه إلى «تطهير الإعلام والشرطة». صدر البيان بعد أيام من منح مرسي نفسه صلاحيات واسعة فوق القضاء. وقبل ذلك بعام، كتب مقالاً يدعو إلى عدم الخوف من حكم الإخوان في مصر.
الرجل الذي يحدثكم اليوم عن الحرية صفّق يوماً لمن أراد تطهير الصحافة. وحين أُعيد فتح الملف هذا العام، لم يتبرأ من الجماعة. هنا لا يعود الرجل رمادياً، ويظهر لونه.
السعودية: الصفقة ليست هبة
في الملف السعودي يبلغ الخلط ذروته. ذكر السيد المملكة بالاسم، إلى جانب إسرائيل ومصر وقطر والإمارات، في سياق معارضته تمويل أمريكا للجيوش الأجنبية. لكن مصر وإسرائيل تتلقيان مساعدات عسكرية أمريكية سنوية، فيما تدفع السعودية وقطر والإمارات ثمن ما تشتريه من مالها الخاص. هذه صفقات بين دول، لا هبات. ومن يخلط بين الاثنين لا يصلح لمقعد يملك صلاحية تعطيل صفقات السلاح.
ثم انتقد سجل المملكة في اليمن، ووصف حكمها بغير الديمقراطي، ورفض الدفاع عن حكومتها، وقارن نفوذها في واشنطن بنفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، فجعل الرياض وتل أبيب وجهين لعملة واحدة. قال ذلك والحوثيون يقصفون مطار الرياض ومنشآت «أرامكو»، ولم يُنقل عنه أنه خصّهم بإدانة مماثلة. خصّ بالنقد الطرف الذي يتعرض للقصف.
طريق القدس ينتهي في واشنطن
«طريق القدس يمر بميشيغان وواشنطن». سبقه إلى هذا الطريق «إلهان عمر» و«رشيدة طليب»، ثم «زهران ممداني»، وكلهم رفعوا فلسطين في حملاتهم وجمعوا بها الأصوات والمقاعد. اسألوا الفلسطينيين: ماذا تغيّر في حياتهم؟
الطريق يمر بميشيغان وواشنطن فعلاً، لكنه يتوقف هناك، عند مقعد وراتب وشهرة، ولا يصل إلى القدس.