معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

ترامب خسر الكونغرس.. والسيّد لم يخسر حصانته

المساعدة البصرية: حجم الخط

تكفي انتخابات نصفية واحدة لتذكير أقوى رئيس في العالم بأنّ موقعه ليس فوق الحساب. لكن في لبنان، لم تكفِ حربان مدمّرتان، وسقوط حليف إقليمي، واختراق رأس القيادة، لفتح باب المراجعة. فلماذا بقي نصرالله، حاضرًا وغائبًا، خارج دائرة السؤال؟

 

في الانتخابات النصفية الأميركية التي جرت في الثالث من تشرين الثاني، خسر دونالد ترامب سيطرة حزبه على مجلسَي النواب والشيوخ. لم يُطرد من البيت الأبيض، ولم تنتهِ ولايته، لكنه خسر الغطاء البرلماني الذي كان يتيح له تمرير خياراته بأريحية. ابتداءً من كانون الثاني، سيواجه رقابة أشد، وتحقيقات محتملة، وقدرة أكبر لدى خصومه على تعطيل قراراته ومساءلة إدارته. تلك إحدى وظائف المؤسسات السياسية: أن تجعل موقع القيادة قويًا، من دون أن تجعله فوق الحساب.

زعيم فوق السؤال

في المقابل، يصعب العثور في تجربة حسن نصرالله الطويلة على مراجعة داخلية جدية لقراراته الكبرى، حتى بعدما انتهت خيارات أساسية إلى كوارث دفع اللبنانيون أثمانها من أمنهم واستقرارهم ومستقبلهم. لم يكن نصرالله مجرد أمين عام لحزب يتمتع بنفوذ واسع؛ لقد أصبح المرجعية التي تتركز فيها الخيارات الاستراتيجية والتقديرات، والرمز الذي يُنسب إليه النجاح ويُطلب من جمهوره تبرير الإخفاقات من خلال روايته. ومع مرور السنوات، تحولت مكانته من مصدر قوة إلى حصانة تحمي قيادته من السؤال.
المشكلة في سجله ليست أنه خسر مواجهة أو أخطأ في تقدير واحد. كل قائد يخطئ، لكن تكرار الإخفاق في التحالفات والقرارات وقراءة الخصوم وبناء القيادة لا يمكن ردّه كلّه إلى مفاجآت فرضها الآخرون. امتلك نصرالله سلطة استثنائية وموارد هائلة ووقتًا طويلًا لتصحيح المسار، لكنه أخفق في حماية مشروعه من خياراته، وبدّد قسمًا كبيرًا من عناصر قوته في حسابات لم تصمد أمام أول اختبار استراتيجي حاسم.

٢٠٠٦: حرب “الواحد في المئة”

في عام ٢٠٠٦، اتخذ الحزب قرار أسر الجنديين الإسرائيليين، ثم وجد لبنان نفسه أمام حرب مدمرة. لم يكن نصرالله قائدًا ميدانيًا للعملية، لكنه كان رأس القيادة السياسية التي اتخذت القرار وتحمّلت مسؤوليته. والأهم أنه أقرّ لاحقًا بأنه لو علم أن العملية قد تقود إلى حرب بهذا الحجم، ولو باحتمال واحد في المئة، لما أقدم عليها. كان ذلك إقرارًا بفداحة الخلل في تقدير المخاطر. ومع ذلك، لم تتحول التجربة إلى مراجعة جدية لطريقة اتخاذ القرارات الاستراتيجية، ولا إلى نقاش حول حق قيادة واحدة في جرّ بلد كامل إلى مواجهة لم يقرر خوضها.

سوريا: الرهان على نظام سقط

ولم يتوقف الخلل عند قرار عسكري، بل امتد إلى الرؤية الإقليمية التي ربط نصرالله مصير حزبه بها. في سوريا، استثمر الحزب سنوات من قدراته وموارده في حماية نظام بشار الأسد، وربط بقاءه بأمنه الاستراتيجي وخطوط إمداده وموقعه الإقليمي. وعندما سقط الأسد في كانون الأول 2024، انهارت ركيزة أساسية في الحسابات التي دافع عنها الحزب وكرّس قدراته لخدمتها. لم يكن المطلوب من نصرالله أن يتنبأ بكل تفاصيل السقوط، بل أن يدرك مخاطر ربط مستقبل حزبه بنظام أثبت عجزه عن حماية نفسه. لقد تعامل مع معادلة إقليمية هشة كأنها ضمانة دائمة، ثم انكشف حجم المغامرة عندما انهارت.

جبهة الإسناد: تضامن بلا قرار موحّد

وإذا كان سقوط الأسد قد كشف هشاشة أحد أعمدة استراتيجيته، فإن حرب غزة كشفت خللًا آخر في تقدير طبيعة التحالف وحدود التضامن داخله. فتح نصرالله جبهة لبنان إسنادًا لغزة في الثامن من تشرين الأول ٢٠٢٣، من دون ضمانة بأنّ هذه الجبهة ستوقف الحرب، أو بأنّ أطراف المحور ستمنع تحولها إلى مواجهة شاملة. تصرّف على أساس أن تداخل الجبهات يمنح الحزب قوة إضافية، لكن التجربة أثبتت أنّ التضامن السياسي لا يعني وحدة القرار، وأنّ وحدة الخطاب لا تعني استعداد الجميع لدفع الكلفة نفسها. انتهت المواجهة إلى هزيمة عسكرية واستراتيجية فادحة للحزب، وإلى كارثة وطنية دفع اللبنانيون ثمنها من أمنهم وبيوتهم وأرزاقهم.

اختراق رأس الهرم

ولم تكن الخسارة في حجم الدمار وحده، فقد سقطت معها صورة القيادة التي تعرف خصمها وتقرأ قدراته، وتملك من التحصين والردع ما يمنع الوصول إلى رأس الهرم. خلال أسابيع في عام ٢٠٢٤، اغتالت إسرائيل قيادات عسكرية وأمنية رفيعة، وضربت بنية الحزب القيادية، ثم اغتالت نصرالله نفسه في ٢٧ أيلول. لا يعفي ذلك إسرائيل من مسؤولية اعتداءاتها، لكنه يفرض سؤالًا لا يجوز التهرب منه: كيف أمكن لمنظومة قُدّمت طويلًا بوصفها شديدة التحصين أن تتعرض لهذا الاختراق الواسع؟ لقد انهارت أمام هذا الاختبار ادعاءات الحماية والردع التي استندت إليها صورة الحزب وقيادته.

قيادة بلا معترضين

هكذا يبرز إخفاق بناء القيادة واختيار الشخصيات. لا يثبت اغتيال قائد أنّ اختياره كان خاطئًا، لكن توالي الضربات، ثم مقتل هاشم صفي الدين بعد نصرالله بأسابيع، كشفا عجزًا بالغ الخطورة عن حماية القيادات وضمان استمرارية المنظومة. تركزت سلطة الحزب ورمزيته حول نصرالله إلى حدٍّ جعل غيابه اختبارًا قاسيًا لبنية التنظيم. فالقيادة القوية لا تُقاس بعدد الموالين حولها، بل بقدرتها على إحاطة نفسها بأشخاص يملكون استقلالية التقدير، ويستطيعون الاعتراض والتنبيه إلى المخاطر. وحين تصبح الثقة بالقائد بديلًا عن اختبار قراراته، تعزل القيادة نفسها عن أهم أدوات تصحيح أخطائها.

تحالفات على مقاس القوة

وانعكس هذا الخلل على التحالفات اللبنانية أيضًا. استطاع نصرالله جمع قوى وشخصيات متباينة حول الحزب، لكنه لم يحوّل هذه التفاهمات إلى شراكات مستقرة تتجاوز حاجتها إلى قوته الشخصية. كثير منها قام على تقاطع مصالح ظرفي، لا على رؤية مشتركة لمستقبل البلاد. كما وفّر نفوذ الحزب الحماية لشبكة من الحلفاء ومراكز المصالح، وأسهم في تكريس منظومة يصعب فيها فرض الإصلاح أو محاسبة أصحاب النفوذ. لا يتحمل نصرالله وحده مسؤولية الانهيار المالي، لكن من امتلك هذا القدر من القوة لا يستطيع التنصل من مسؤوليته عن حماية شبكة سياسية عطّلت المحاسبة، فيما دفع اللبنانيون مدخراتهم ومستقبلهم ثمنًا لانهيار الدولة.

الحصيلة: نفوذ بلا حماية

امتلك نصرالله سلطة استثنائية وموارد كبيرة وشبكة حلفاء إقليمية ومحلية، لكنه لم ينجح في بناء استراتيجية تصمد أمام التحولات، ولا منظومة قيادة تحمي نفسها من الاختراق، ولا تحالفات تضمن المصالح المتبادلة عند الأزمات. نجح في توسيع نفوذ الحزب، لكنه أخفق في حماية هذا النفوذ من نتائج خياراته. راكم عناصر القوة، ثم بدّد قسمًا منها في حسابات خاسرة، وانتهى مشروعه إلى انكشاف استراتيجي وعسكري وسياسي لم تستطع خطابات القوة حجبه.

حين يُصادَر حق السؤال

ولا تكمن خطورة تقديس نصرالله في المبالغة في وصف إنجازاته فحسب، بل في إلغاء حق السؤال عن إخفاقاته. حين يصبح القائد أكبر من التجربة التي قادها، تتحول الهزائم إلى مؤامرات، والأخطاء إلى تضحيات لا يجوز نقاشها، والكوارث التي يدفع ثمنها شعب كامل إلى اختبارات صمود، بدلًا من أن تكون مناسبة للاعتراف بالفشل ومراجعة القرار. والأخطر من ذلك أن هذا التقديس سلب البيئة الشيعية في لبنان حقها الطبيعي في نقد خيارات قادتها، فنقلها من بيئة تنوّع واجتهاد إلى بيئة يُطلب منها الاستثمار العاطفي والدفع المالي والجسدي من دون النظر في الكلفة أو في غاية المشروع. إن تحرير البيئة الشيعية من أسر التقديس ليس طعنًا في التضحيات، بل هو الشرط الأول لإعادة دمج مستقبلها في حاضنة الدولة اللبنانية، ورفع عبء الأخطاء التاريخية عن كاهل أجيالها القادمة.

إرث أم عبء؟

ترامب خسر الكونغرس، لكنه بقي رئيسًا، وسيواجه مؤسسات تملك أدوات للحد من سلطته ومراجعة أدائه. أما نصرالله، فقد انتهت حياته وقيادته، لكن السؤال عن حصانته لم ينتهِ. فالحزب الذي لا يراجع خيارات قائده، ولا يختبر تحالفاته، ولا يحاسب من اتخذ قراراته، لا يحفظ إرثه، بل يورّث أخطاءه ويحوّلها إلى عبء على مستقبله.
لم يكن إخفاق نصرالله أنه لم ينتصر في كل معركة، بل أنه امتلك كل هذه القوة ولم ينجح في حماية مشروعه من سلسلة خياراته الخاطئة.