معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

“المطبخ الحزبلاوي”: حين يُفلس الخطاب، يبدأ التخوين والتشهير

المساعدة البصرية: حجم الخط

تتبدّل الوجوه وتبقى الوصفة واحدة: عَمالةٌ لمن يعارض، وفضيحةٌ لمن يصمد. فماذا يبقى من خطابٍ لا يُتقن سوى طبختَي العَمالة والجنس؟

 

لم يعد المطبخ الإعلامي لحزب الله بحاجة إلى كثيرٍ من الجهد لكشف أساليبه. فقد بات خطابه، في جانبٍ واسعٍ منه، مكشوف الأدوات، متكرّر الوصفات، مُملًّا إلى حدّ الاشمئزاز. مطبخٌ سياسيّ لا يبدو أنّه يُتقن، في مواجهة خصومه، سوى طبختين، العَمالة والجنس. فإذا عجز عن إقناع الناس بتهمة الخيانة، انتقل إلى التشهير بالحياة الشخصيّة، وإذا سقط الاتهام السياسي، استُحضرت الإيحاءات الأخلاقيّة، في محاولةٍ لإسقاط صاحب الرأي بدلًا من مناقشة رأيه.

إنّه أسلوبٌ يقوم على استبدال الحُجّة بالتهمة، والنقاش بالفضيحة، والسياسة بمحاكمة النوايا والأعراض.

العَمالة: تهمة جاهزة لكلّ مخالف

في قاموس التخوين الذي يطبع جانبًا من الخطاب الإعلامي الموالي لحزب الله، لا مكان للاختلاف السياسي المشروع. فمَن يعارض سلاح الحزب يُتَّهم بخدمة إسرائيل، ومَن يطالب بحصريّة السلاح بيد الدولة يصبح موضع شبهة، ومَن يناقش قرارات الحرب والسلم يُصوَّر كأنّه يردّد تعليمات السفارات. هكذا تتحوّل العَمالة من جريمةٍ خطيرة تستوجب أدلّة وتحقيقًا وحكمًا قضائيًّا، إلى تهمةٍ إعلاميّة جاهزة تُوزَّع بحسب الحاجة السياسيّة.

والأخطر أنّ الإفراط في استعمالها لا يسيء إلى المستهدفين وحدهم، بل يُفرغ مفهوم الخيانة نفسه من مضمونه القانوني والوطني. فعندما يصبح كلّ معارض عميلًا، تفقد التهمة جديّتها، ويصبح التخوين وسيلةً لإسكات الخصوم لا لحماية الوطن.

إنّ العَمالة لإسرائيل ليست وجهة نظر، بل فعلٌ يُحدّده القانون وتُثبته المحاكم. أمّا تحويلها إلى سلاحٍ في السجال السياسي، فهو اعتداءٌ على قرينة البراءة، وعلى حقّ المواطن في الاختلاف، وعلى سلطة القضاء في تحديد المسؤوليّات.

فالوطنيّة ليست امتيازًا يمنحه حزب، والخيانة ليست صفةً يُلصقها “إعلاميّ” بمَن يخالفه الرأي.

الجنس: الملاذ الأخير للخطاب المفلس

وعندما لا تنجح تهمة العَمالة في تحقيق الغرض المطلوب، تظهر الوصفة الثانية: الحياة الجنسيّة والشخصيّة للخصم. هنا تتراجع السياسة بالكامل، لتحلّ مكانها الإيحاءات والتلميحات والشائعات، ويصبح السؤال عن مواقف الشخص وبرامجه وأفكاره أقلّ أهميّة من محاولة اقتحام خصوصيّته أو تصوير علاقاته الشخصيّة بوصفها فضيحة.

وقد يبلغ هذا الأسلوب حدّ استخدام الميول الجنسيّة الحقيقيّة أو المفترضة وسيلةً للتحقير الاجتماعي، وكأنّ الحياة الخاصّة للإنسان تُحدّد قيمة موقفه السياسي أو صدقيّة آرائه. وهذه ليست مواجهةً سياسيّة، ولا دفاعًا عن الأخلاق. إنّها محاولة لتوظيف الأحكام الاجتماعيّة المسبقة في تصفية الحسابات. فالحياة الشخصيّة ليست ميدانًا مفتوحًا للتشهير، ولا يجوز تحويل معلوماتها أو الشائعات المتعلّقة بها إلى أدوات ضغطٍ وإذلال. والأشدّ ابتذالًا أن يُقدَّم هذا السلوك تحت عنوان الدفاع عن القيم، فيما هو، في جوهره، انتهاكٌ للخصوصيّة وكرامة الإنسان.

فمَن يعجز عن إسقاط خصمه بالحُجّة، لا يكتسب حقّ إسقاطه بالشائعة.

من الإعلام إلى الاغتيال المعنوي

تكمن خطورة هذا النمط من الخطاب في أنّه لا يسعى إلى تفنيد موقفٍ أو إثبات خطأ، بل إلى تحطيم صورة صاحبه أمام المجتمع. تبدأ الحملة باتهام، ثم تتوالى التعليقات والتلميحات وإعادة النشر، إلى أن تتحوّل الشائعة، بفعل التكرار، إلى ما يشبه الحقيقة لدى بعض المتلقّين. إنّه اغتيالٌ معنويّ تُستخدم فيه المنصّات الإعلاميّة والرقميّة لصناعة الإدانة قبل أيّ تحقيق، وإصدار الأحكام خارج المحاكم.

والتمييز هنا ضروريّ بين النقد السياسي، مهما بلغت حدّته، وبين الافتراء والتشهير والتهديد والابتزاز. فالأوّل تحميه حرية التعبير، أمّا الأفعال الأخرى فتخضع، متى توافرت عناصرها، للمساءلة القانونيّة. ولا يمكن الدفاع عن حرية الإعلام مع قبول تحويله إلى محكمةٍ بلا قاضٍ، تُصدر أحكامها استنادًا إلى الشائعة والاتهام غير المثبت.

أزمة حُجّة أم أزمة مشروع؟

لكنّ السؤال الأعمق يتجاوز أساليب بعض المنابر والأصوات المحسوبة على حزب الله، ليصل إلى طبيعة الخطاب السياسي الذي يحتاج باستمرار إلى تخوين المعترضين عليه. لماذا يُستبدل النقاش في السلاح والسيادة والدستور والمؤسّسات باتهامات العَمالة؟ ولماذا يُجاب عن الأسئلة المتعلّقة بمستقبل لبنان باستحضار الحياة الخاصّة لأصحابها؟

أليس الأجدى أن يُقدَّم للبنانيّين جوابٌ سياسيّ واضح عن دور الدولة، وحصريّة قرار الحرب والسلم، ومصير السلاح خارج المؤسّسات الشرعيّة، بدلًا من محاولات التشكيك في وطنيّة كلّ مَن يطرح هذه الأسئلة؟

إنّ المشروع السياسي الواثق من نفسه لا يحتاج إلى تحطيم سمعة خصومه كي يثبت صواب خياراته. والحُجّة القويّة لا تستعين بالشائعات، كما أنّ الوطنيّة الحقيقيّة لا تخشى المساءلة.

مطبخٌ يعيد تسخين إفلاسه

لقد أصبحت وصفات التخوين والتشهير، حيثما تُستخدم، مستهلَكةً إلى حدّ الابتذال. ولم يعد تكرارها دليل قوّة، بل علامة عجزٍ عن إنتاج خطابٍ سياسيّ يقنع بدلًا من أن يُرهب، ويناقش بدلًا من أن يُدين. وإذا كان لبعض إعلام حزب الله أن يختلف مع خصومه كما يشاء، فإنّ هذا الحقّ لا يمنحه سلطة توزيع شهادات الوطنيّة، ولا رخصة اقتحام الحياة الشخصيّة للناس.

فلبنان ليس ملكًا لحزبٍ كي يُحدّد مَن يستحقّ الانتماء إليه، ولا كرامة اللبنانيّين مادّةً خامًا في مطبخ التشهير السياسي.

وفي النهاية، قد تنجح الشائعة في إحداث ضجيجٍ عابر، وقد تؤذي تهمةٌ باطلة صاحبها، لكنّ ذلك لا يصنع شرعيّةً ولا يُنتج مشروعًا وطنيًّا. والمطبخ الذي لا يُتقن سوى طبختَي العَمالة والجنس، لا يُثبت فساد خصومه بقدر ما يكشف فقر أدواته وعجزه عن مواجهة السياسة بالسياسة.