عائد إلى شارع فتح الله

لمن لا يعرف “شارع فتح الله”، فهو شارع ضيّق يمتدّ بين البسطة التحتا والفوقا، لا يتجاوز طوله الخمسمئة متر. لكنه كان، في سبعينيات الحرب اللبنانية، أطول من كلّ خرائطها.
إلى هنا نزح أبناء الجنوب، وخصوصاً من القرى الأمامية التي التهمتها المواجهات مع العدو. هنا، في قلب بيروت، حملوا معهم ذاكرة الحرب وندوبها، فاختلط النزوح بالتهجير، والفقر بالسلاح، والمظلومية بالأيديولوجيا.
في هذا الشارع البسيط نمت الميليشيات باكراً، بدعمٍ من المنظمات الفلسطينية، وارتفعت المتاريس بسرعةٍ تفوق ارتفاع البيوت. أهله إمّا هُجّروا أو أُجبروا على الهجرة. وتحولت الأزقة إلى خطوط تماسٍ متشابكة بين كلّ القوى، حتى الدولة السورية دخلت يومها في صراعات “فتح الله”، وكان المشهد أقرب إلى لوحة فوضى كاملة.
في منتصف الشارع قامت ثكنة فتح الله، في مكان المحكمة الشرعية السنية، وهناك سُجّل أول احتكاكٍ عسكري بين الجيش السوري وحزب الله، قبل أن يصبح الشارع برمّته عنواناً يومياً في نشرات الأخبار الدولية. صار “باروميتر” الحرب الأهلية: إذا هدأ فتح الله، هدأت بيروت، وإذا اشتعل، اشتعل البلد.
تذكّرت هذا الشارع، وأنا أشاهد عرضاً شبه عسكري لكشافة “الحزب” في المكان ذاته. الوجوه تغيّرت، لكن المشهد لم يتبدّل كثيراً: السلاح ما زال في الذاكرة، والعرض ما زال في الشارع، والرمزية لم تغب.
وبما أنّ الشيء بالشيء يُذكر، علمت من بعض الأصدقاء أنّ حراكاً من أبناء القرى الأمامية زار الرؤساء الثلاثة مؤخراً، مطالباً بدعم العودة إلى الجنوب، وبإصدار بطاقة تُمنح للعائدين، تخفف عنهم أعباء التهجير وتُسمّى “بطاقة عائد”.
فاتصلت بصديقي مازحاً وقلت له:
“جميل… لكن لا تنسَ أن تكتب عليها: عائد إلى فتح الله”.
*نقلاً عن فيسبوك




