منذ 2006: جدار الوهم الذي أسكنوا الشيعة خلفه

بعد حرب تموز 2006، لم تُقفل الضاحية بالحجارة فقط، بل أُقفلت برواية كُتبت على عجل فوق الرّكام، ثم تُركت تكبر وحدها حتى صارت جدارًا في الرّأس، لا في الشّارع. جدار لا تراه، لكنّه يقرّر كيف ترى، يحدّد لك أين تمشي، ومع من تجلس، وماذا تصدّق، وممّن تخاف.
قيل يومها إنّ الإقفال ضرورة، إنّ التّماسك حماية،إنّ الحذر فضيلة.
كان الخوف مفهومًا بعد الحرب، لكنّ الخوف حين يُدار ولا يُعالَج يتحوّل إلى نظام. ومع الوقت، لم يعد خوفًا من حرب مضت، بل طريقة عيش، صار سياسة، ثم صار ما يشبه العقيدة الصّامتة التي لا تُناقَش.
حكايا خيم السّرايا
أتذكّر صديقًا وجارًا كان يردّد بثقة ما يسمعه في خيم السّرايا، قال لي إنّ “الحج أبو فلان” أكّد أنّ وليد جنبلاط جهّز حافلات لترحيل الشّيعة إلى العراق، لم يكن يكذب، كان مقتنعًا. في البيئات المغلقة، لا تحتاج الإشاعة دليلًا، لأنّها لا تجد من يختبرها.
ما بين الطّيّونة والسّان تيريز
سألته: لماذا لا تخرج وترى البلد؟
أجابني بفخر: أخرج كل يوم… أتنقّل من الطّيونة إلى السّان تيريز.
كان يظنّ أنّه يجوب العالم، وهو لم يغادر مكانه.
هكذا بدأ الإنغلاق، لا بقرارٍ مكتوب، بل بعادة.
حتى أنّ أحداث أيار 2008، بكل ما كانت عليه، رآها كثيرون دفاعًا مشروعًا، لم تُرَ بأنها اجتياح لبيروت، بل كإجراء وقائي داخل قصّة الخطر الدائم.
وفي الجنوب، قال رئيس بلدية عن بلدة مجاورة من طائفة أخرى: “ما في أي مشكلة… ما حدا بيتعاطى مع حدا.”
لا مشكلة.
ولا علاقة.
ولا حياة مشتركة.
عبقريّة استباق داعش و7 أيّار
بعد عشرين عامًا، يتكرّر المشهد نفسه في مقهى، هذه المرّة شاب يسترق السّمع لحديث ننتقد فيه الحزب وتدخّله في سوريا، فيندفع غاضبًا يشرح “عبقريّة استباق داعش”، ويبرّر السّابع من أيار بحماية شبكة الاتصالات، لم يكن يحاور، كان يدافع عن رواية يعرفها مسبقًا.
انتظرنا أشهرًا لنرى نتائج “الاستباق”: تفجيرات، احتقان، ولبنان يُسحب أكثر إلى صراعات لا تشبهه. وانتظرنا سنوات لنكتشف أنّ شبكة الاتصالات السّلكيّة المقدّسة الّتي قيل إنّها خط أحمر لم تمنع اختراقًا، ولم تغنِ الحزب عن صفقة البايجرات المفخّخة، ولم تمنع سقوط الهالة حين اصطدمت بالواقع.
تغيّر الزّمن.. الذّهنيّة نفسها
بين صديق الأمس وشاب اليوم، تغيّر الزمن ولم تتغيّر الذّهنيّة.
العزلة نفسها.
الحساسيّة نفسها.
الخوف نفسه من أي رأي خارج الرّواية.
كأنّ الحرب انتهت في الجغرافيا، لكنها استمرّت في الوعي،المشكلة ليست في الانتماء، ولا في الذّاكرة، ولا في خوفٍ وُلد من حرب.
المشكلة حين تتحوّل الذّاكرة إلى سور، والخوف إلى أداة حكم، عندها لا يعود الحزب ممثّلًا لبيئته، بل مديرًا لوعيها.
أجيال وُلدت خلف الجدار
يقول الله تعالى: “وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا”.
لا لتتجاوروا بصمت، ولا لتخافوا من بعضكم، بل لتتعارفوا، لكن حين يُلغى التّعارف، يضيق العالم، يصبح الحيّ وطنًا كاملًا، وتصبح الرّواية حقيقة،وتصبح العزلة أمانًا، وهكذا، يبقى الجدار قائمًا.
جدارٌ لا يُرى بالعين، لكنّه يُقاس بمدى قدرتنا على سماع بعضنا البعض.
أجيال وُلدت داخله، لم تختره… لكنها ورثته.
وكأنها تردّد، من حيث لا تدري:
هذا جناهُ أبي عليّ
وما جنيتُ على أحد
نقلًا عن صفحة الكاتب على فيسبوك




