السَّلام مع «إسرائيل»: من الممكن إلى المستحيل!

يشهدُ النقاشُ حول «السلام مع إسرائيل» عودةً حادّةً إلى الواجهة مع تصاعد الحرب وتداعياتها غير المسبوقة. لكنّ هذه العودة لا تعكسُ فقط تحوّلًا في المواقف، بقدر ما تكشفُ عمق الأزمة البنيوية التي تحكمُ الصراع في المنطقة.
أعادتِ الحربُ المُمتدَّةُ منذ 7 تشرين الأول 2023 طرح إشكالية «السَّلام مع إسرائيل». أو بالأحرى، لم تُعِدْ طرحَها بقَدْرِ ما أنَّها أعادتها إلى موقعِها السَّابق كإشكاليَّةٍ بُنيويَّةٍ في أيِّ خطابٍ أو مشروعٍ سياسيَّيْن. أتَتْ هذه الإعادة بعدَ مسارِ «التَّطبيع» الذي كان يتسارعُ بشكلٍ مُقلقٍ لا يُمكنُ بأيِّ شكلٍ من الأشكالِ تبريرُه بالبراغماتيَّة أو الواقعيَّة السِّياسيَّة. وأتَتْ أيضًا مدفوعةً بعددٍ مَهولٍ وغيرِ مسبوقٍ من الضَّحايا والدَّمار ممَّا أضافَ إلى إشكاليَّة «السَّلام مع إسرائيل» حضورًا قويًّا للجانب الأخلاقي الذي صارَ أكثرَ هيمنةً من الجانب السِّياسيِّ عندَ نقاش الإشكاليَّة. ورغمَ أهميَّة النِّقاش الأخلاقي في ذاته، لكن يبقى أنَّه نقاشٌ لا جدوى كبيرةً منه في السِّياسة، بل أحيانًا يتحوَّلُ النِّقاشُ الأخلاقيُّ إلى وسيلةٍ من وسائل السُّلطة، بالمعنى الأوسع للسُّلطة، لتضليل الجمهور والرَّأي العام. والحديثُ هُنا عن النِّقاش الأخلاقي وليس عن الأخلاق نفسها.
«السَّلام مع إسرائيل»: إشكاليَّةٌ تعكسُ الأزمة العربية!
لو أردنا أن نصفَ العقود المُمتدَّة منذ العام 1948 إلى اليوم، يجوزُ القول أنَّها مسار تحوُّلِ «السَّلام مع إسرائيل» من أكبر المُحرَّمات إلى إشكاليَّةٍ سياسيَّةٍ كغيرِها من الإشكاليَّات. فمن الموقف العربي برفض قرار التَّقسيم الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948 مرورًا بمُقاطعة مصر بسبب «السَّلام» الذي اختارَه أنور السادات وصولًا إلى حالات «التَّطبيع» والتواصل المُتعدِّدة التي لم تَعُدْ تُواجَه بالعزل والمُقاطعة بل صارتْ هذه الدُّول، كقطر وعُمان والإمارات، تلعبُ دور «الوسيط» بين «إسرائيل» و«المقاومة». حتَّى أنَّ الشُّعوب العربية التي لم تزل ترفضُ «التَّطبيع» مع «إسرائيل» لا ترى، في الوقت نفسِه، في الدُّولِ المُطبِّعةِ ما كانت تراه الشُّعوبُ في مصر آنذاك. يعكسُ هذا المسارُ وجهَيْن لمشهدٍ يحكمُ الصِّراعَ مع «إسرائيل» منذ عام 1948: تعميق «إسرائيل» لتجذُّرِها الجيوسياسي مقابل أزمةٍ عربيَّةٍ شاملةٍ تعمَّقتْ وترسَّختْ مع الأنظمةِ القوميَّة والإسلاميَّة التي حكمتِ المنطقة. ويجوزُ القولُ أيضًا أنَّ واقع المنطقة العربية أدَّى إلى تحوُّل «السَّلام مع إسرائيل» من المُمكن النَّظري، وإنْ كان مُحرَّمًا عمليًّا، إلى موقع غير المُمكن النَّظري دون اعتبارٍ كبيرٍ للموقف العملي الذي تجاوزَه الواقع.
يشهدُ النقاشُ حول «السلام مع إسرائيل» عودةً حادّةً إلى الواجهة مع تصاعد الحرب وتداعياتها غير المسبوقة
هل «السَّلام» فكرة ممكنة؟
السَّلام، بطبيعتِه، يحتاجُ إلى طرَفَيْن مؤهَّلَيْن بالقدر نفسِه لتحقيق هذا السَّلام. والواقعُ أنَّ الطَّرفَيْن المَعنيَّيْن بالسَّلام هُنا كِلاهما غيرُ مؤهَّلٍ بالقَدْرِ نفسِه لإقامةِ سلامٍ حقيقيٍّ. لذلك، إنَّ النِّقاش بين مَن يُريد السَّلام ومَن لا يُريدُه هو خلافٌ حول أمرٍ هو في ذاتِه غير قابل للتَّحقُّقِ، على الأقل في المستقبل المنظور. ولا يخفى أنَّ المعنيَّ الأوَّل بهذه الإشكاليَّة هم الدُّول المُحيطة بـ «إسرائيل»، أو «دول الطَّوْق» بحسب الأدبيَّات المتداولة، بالإضافة إلى فلسطين طبعًا. وثمَّة للحُكم بانعدام إمكانيَّة السَّلام مع «إسرائيل» مبرِّراتٌ عدَّة يُمكنُ تقسيمُها إلى سياسيَّة، اجتماعيَّة إضافةً إلى مبرِّراتٍ واقعيَّةٍ، أي تتعلَّقُ بواقعِ كُلِّ طرف.
المبرِّرات السِّياسيَّة: الأصوليَّات لا تصنعُ السَّلام!
الشَّرق الأوسط محكومٌ بالأصوليَّات منذ عقود. وبين أصوليَّةٍ يهوديَّةٍ تُمارسُ عقيدة «التَّحريم» التَّوراتيَّة وأصوليَّاتٍ إسلاميَّةٍ، سُنيَّةٍ وشيعيَّةٍ، ساهمتْ في تدمير المجتمعات العربيَّة وتفتيت كياناتِها؛ بين هذه وتلك، عاشتِ المنطقةُ صعودَ هذه الأصوليَّات وتعايُشِها على بعضِها، وها هي اليوم تشهدُ على صراعِها وتَلاغيها فيما بينها. ولا يُمكنُ لأيِّ أصوليَّةٍ أن تصنعَ سلامًا مع أصوليَّةٍ أُخرى، إذْ من طبيعةِ الأصوليَّاتِ أنَّها تُلغي الآخر. وما فعلته الأصوليَّةُ اليهوديَّةُ، التي لم تتخلَّ عن حُلمِها القديم بالسَّيطرة على الشَّرق الأوسط، هو أنَّها نسفتْ فكرةَ السَّلام وأعدمتْ أيَّ إمكانيَّةٍ لإقامتِه. لذلك، إنْ كان العالمُ جادًّا في نيَّتِه إقامةَ سلامٍ حقيقيٍّ في الشَّرق الأوسط فإنَّ العقبة الأولى والأكبر في طريقِه هي الأصوليَّة اليهوديَّة. فالسَّلامُ لا تصنعُه الأصوليَّات تمامًا كما أنَّه لا يُفرضُ بالقوَّة.
النَّتائج الاجتماعيَّة للحرب
لم تُحاربْ «إسرائيل»، خلال السنتين ونصف، الأصوليَّتَيْن السُّنيَّة والشِّيعيَّة. بل اتَّخذتِ الحربَ معهما غطاءً لحربِها مع الوجود العربي حولَها. وما فعلتْه «إسرائيل» خلال حربها من إبادةٍ وتدميرٍ شاملٍ ومُمنهجٍ لقطاع غزَّة وقرى جنوب لبنان وكُلَّ مُحاولتها لإعدامِ أيَّ إمكانيَّةٍ للبقاء؛ كُلُّ الآثار الاجتماعية للحرب تجعلُ من «السَّلام» فكرةً غير قابلةٍ للتَّطبيق. فالأجيال التي شهدتْ هذه الحرب، تمامًا كما الأجيال التي ستُنتِجُها هذه الحرب، وسواءٌ عندَنا أو في «إسرائيل»، هذه الأجيال لا يُمكنُها أن تتعايشَ مع بعضِها في سلام حتى لو كان ذلكَ ضروريًّا ويجب أن يحدث، لكنَّ إمكانيَّة حدوثِه شبه مُنعدمة. السَّلام بشقَّيْه الاجتماعي والاقتصادي غير مُمكنٍ، وبالتَّالي لا يُعوَّلُ عليه سياسيًّا، إذ لا جدوى منه ولا منفعة.
العقبات الواقعية أمام «السَّلام»
إذًا، «إسرائيل» بأصوليَّتِها من جهة، وبوظيفةِ هذه الأصوليَّة في المنطقة من جهةٍ ثانية، لا يُمكن أنْ تُقيمَ سلامًا مع محيطِها. وأمام الواقع الميداني الذي حقَّقتْ فيه «إسرائيل» إنجازاتٍ كبيرة، يكون السُّؤالُ الطَّبيعيُّ هو: لماذا ستقبل بالسَّلام أصلًا؟
في المُقابل، لو اتُّخذَ قرارٌ من أنظمةِ الدُّولِ المُحيطة بـ «إسرائيل» بالتَّطبيع، فإنَّ هذه الأنظمة لا تستطيعُ تسويقَ هذا التَّطبيع لشعوبِها تمامًا كما أنَّها لا تستطيعُ فرضَه عليها، تمامًا كما أنَّها لا تستطيعُ فرضَه كخيارٍ على «إسرائيل». وذلك لسببَيْن لا يقِلُّ أحدُهما أهميَّة عن الآخر: ضعف هذه الأنظمة من جهة والأداء الإسرائيلي من جهةٍ ثانية.
الخيار العسكري ضدَّ «إسرائيل»: انتحارٌ وعبثيَّة!
أثبتَ الخيارُ العسكريُّ ضدَّ «إسرائيل» فشلَه أمام اختلال ميزان القوَّة العسكريَّة والتِّكنولوجية. وباتَ واضحًا أنَّ كلَّ الحروب التي خيضَتْ لم تُضعفْ «إسرائيل» بقدرِ ما أنَّها أضعفت المنطقة العربية المُنهكةُ أصلًا من حروبِها الدَّاخليَّة. ويبدو أنَّ الخيار الأنسبَ للتَّعاطي مع «إسرائيل» كان خيارَ العزل، أو الهدنة؛ أي لا حرب ولا سلام، والاكتفاء بالمواجهة السِّياسيَّة وعدم فتح الحروب العسكريَّة. لكن يبدو أيضًا أنَّ إمكانيَّة تحقيق هذا الخيار تتضاءلُ يومًا بعدَ يوم بحيث يدفعُ العربُ ثمنَ تخلُّفهم وأزماتِهم واقتتالِهم، ليبقى السُّؤال الأساسي والضَّروري هو عن العمل لمنع «إسرائيل» مِن جرِّ المنطقةِ إلى الاستسلام، بدلًا من الاختلاف والاقتتال حول مواقفنا من سلامٍ هو في ذاتِه غير قابل للتَّحقُّقِ في الواقع الرَّاهن. والأنفع بالقدر نفسه أن نفكّر في كيفية الخلاص من كل الأصوليات التي تحكم الشرق الأوسط، ومنع هذه الحرب من إنتاج أصوليات جديدة!
إقرأ أيضاً: كيف ساهمت واشنطن بالانقلاب العسكري في إيران؟



