العيش المشترك … قناع التحريض وتجارة المصالح

يُعد مفهوم العيش المشترك الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الأوطان المتنوعة، إلا أنه في واقعنا تحول من قيمة وطنية إلى أداة تُستحضر فقط لخدمة الأجندات السياسية. إن استغلال هذا الشعار لتغطية الانقسامات العميقة يجعل منه مجرد قناع زائف يخفي خلفه صراعات النفوذ والمكاسب الضيقة.
شعارات براقة ونوايا مبطنة
لقد أضحى شعار “العيش المشترك” في هذا البلد مجرد لافتة للاستثمار في البازارات السياسية لدى الكثيرين؛ شعارٌ يُرفع لواءه عند الحاجة والمصلحة الذاتية، ويُهمل في معظم الأوقات. فمن الخارج، تظهر الوحدة والمحبة والوئام، بينما يكمن في الجوهر انقسام وكراهية وتحريض. لا يمكن لأي جهة أن تتحدث عن العيش المشترك وهي التي أمضت عقوداً في شحن النفوس ضد الأحزاب والطوائف الأخرى. فمنذ عام 2005 وحتى اليوم، لم يتوقف الخطاب التحريضي والتخويني ضد كل من يرفض الانصياع لخيارات تلك الجهات، أو يعارض جرّ البلاد إلى الهاوية التي استقررنا فيها أخيراً.
تناقض الخطاب وحتمية المواجهة
لا يحق لمن يملأ خطابه بالحقد والكراهية أن يحاسب الناس على ردود أفعالهم تجاه أفعاله؛ تلك الأفعال التي لا تخفي بين سطورها تعطشاً للإقصاء وإلغاء الآخرين الذين لا يختلفون عنه في شيء سوى في حبهم للوطن. فبينما يعلن البعض ولاءهم التام لدول خارجية بجمر ومفاخرة ووقاحة، نجد الطرف الآخر يحمل علم البلاد، واضعاً سلامة الوطن—بشراً وحجراً—فوق كل اعتبار. ولأن الصور تبقى أطول من أعمار الأشخاص، فقد شهدنا “عيشهم المشترك” يتجسد في عناق وقبلات وتحالفات انتخابية (نقابية، بلدية، ونيابية) بمجرد أن دقت أجراس مصالحهم المشتركة على حساب الشعب.
نحو مفهوم حقيقي للوحدة
لا يمكن حصر مفهوم العيش المشترك في إطار الطائفية والمناطقية الضيق، ثم استخدامه أو التخلي عنه وفقاً للمصالح اللحظية، مراهنين دائماً على جمهور غير مستعد للنقد، حتى ولو استُثمرت دماؤه على طاولة المحاصصة. إن العيش المشترك الحقيقي يعني قبول الآخر كما هو، لا كما تمليه الرغبات، واحترام رأيه واختلافه في كل الأوقات، وليس فقط حين تقتضي المصلحة ذلك؛ وإلا تحول الأمر من عيش مشترك إلى “تبعية نفعية”. لذا، قبل رفع الشعارات، ينبغي تجسيدها واقعاً؛ فالأوطان لا تُبنى بالخطاب المزدوج، بل بالاحترام الثابت للاختلاف، وإلا ظل الكلام قناعاً يستر خلفه تجارة المصالح.




