ADAWLAADAWLAADAWLAADAWLA
  • الرئيسية
  • خاصّ – الدّولة
  • مَحلّي
  • عربي-دولي
  • Podcast
✕

​قبلَ ساعاتٍ من يومِ القيامة… عن التشيُّعُ في جبلِ عامل

08.04.2026
Categories
  • خاصّ - الدّولة
Tags
  • إسرائيل
  • الجنوب
  • الحزب
  • الشيعة
  • جبل عامل
  • جنوب لبنان
  • حزب الله
  • لبنان
حسن بزيع

ناشط سياسي من بلدة زبقين في جنوب لبنان

You do not have any posts.

​ما ترَوْنَه هذه الأيام هو وجهٌ من وجوهِ التشيُّع، وسرديّةٌ من سرديّاتِه المتعدِّدة، ولم تَكُنْ هي السرديّةَ الغالبةَ قبلَ انتصارِ «ثورةِ الملالي في إيران».

​ذاكرة الطفولة وتدين الأجداد
​هو ليس تشيُّعَ جدّي وجدّتي، وليس تشيُّعَ أبي وأمّي، وبالتأكيدِ ليس تشيُّعي. أنا الذي مشيتُ صغيرًا في مواكبِ الحسين، وقرأتُ أدعيةَ الافتتاحِ والسَّحَرِ والجوشنِ الصغيرِ والكبيرِ في ليالي رمضان.
​كان التديُّنُ يسيرًا وبسيطًا ومتسامحًا، نعيشه ويعيشُ معنا، كأنّه واحدٌ منّا، وليس غريبًا عنّا. وتحتَ أعينِه كانت النساءُ يتغاوينَ بفساتينِهنَّ المُزركشة، وغطاءُ الرأسِ يكشفُ نصفَ الشَّعرِ ويُفصحُ عن وجوهٍ بشوشةٍ مبتسمة، وترتفعُ أصواتُهنَّ بالغناء. وكانت القرى تُقاومُ قساوةَ الحياةِ بالفرح، وتُقيمُ له المناسبات، وكان الحزنُ جميلًا، وكانت تدمعُ عيونُ الناس.

​العيش المشترك في جبل عامل
​لم يكن يضيرُ أهلَ قريتي الشيعيّة أن ندرسَ في كتابِ دينٍ سُنّيٍّ في مدرسةِ المقاصدِ الخيريّة لتعليمِ أبناءِ القرى، ولم يكن يضيرُ تلامذةَ الصفوفِ التكميليّة في المدرسةِ الجعفريّة في صور، من السُّنّةِ والمسيحيّين، حضورُ حصّةِ الدينِ عند أستاذٍ شيعيٍّ لغويٍّ وفقيه.
​وفي صور، في ستينيّاتِ القرنِ الماضي، كان السيّدُ موسى الصدر مالئَ الدنيا وشاغلَ الناس، يُقبلون على مجالسِه من مختلفِ المذاهب والطوائف، وكُنّا نؤمُّ مجالسَه، ووقعنا تحتَ تأثيرِ سحرِه.

​بين سحر الإمام وجاذبية اليسار
​لكن سحرَ اليسارِ كان أقوى، دون أن يُفقدَني ذلك سحرَ الإمام. ولم أرَ تعارضًا بين موروثي الثقافيّ الشيعيّ ويساريّةِ فتىً لم يبلغِ العشرين بعد. حتّى إنّني راسلتُ المرجعَ الأعلى في العراق بواسطةِ شيخِ قريتنا، الذي ذهبتُ إليه أنا المفتونُ بالثورات، برفقةِ أبي، وحملتُه سؤالًا: لماذا لا يُفتي المرجعُ بالجهادِ مع الثورةِ الفلسطينيّة؟ ليأتيني جوابُه بعد أشهرٍ أنّه مع الثورة، لكنّ مسؤوليّةَ الدمِ كبيرة.
​وشيخُ قريتنا، محمّد حسن شرارة، يشبهُ إيمانُه إيمانَ العجائز، على ما قال الرازيُّ الفقيه، وليس الرازيُّ الفيلسوف: «ليتَ لي إيمانَ العجائز». وهو ما بَسَطَ فيه أبي مرّةً بقوله، وهو يرى حيرتي وقلقي وأسئلتي: لن تصلَ إلّا بالتسليم. فقلتُ بيني وبين نفسي: دونَ ذلك أسئلةٌ كثيرة، لعلّي أبدِّدُها بقراءةِ الكتبِ ومجالسةِ أهلِ العلمِ والمعرفة. وكنتُ كلّما قرأتُ ازددتُ معرفةً، وكانت حيرتي تزيد.

​ما ترَوْنَه هذه الأيام هو وجهٌ من وجوهِ التشيُّع، وسرديّةٌ من سرديّاتِه المتعدِّدة، ولم تَكُنْ هي السرديّةَ الغالبةَ قبلَ انتصارِ «ثورةِ الملالي في إيران»

​مجالس العلم ورفقة التنوير
​كانت مجالسُ العلماءِ في جبلِ عامل تشرعُ أبوابَها للناس، يتباسطون في شؤونِ دينهم ودنياهم، يتخلّلها أُنسٌ وسمر، ويرتادُها الأدباءُ والشعراء، وتفسحُ لمن هم في مثلِ عمري سُبلَ التعرّفِ والمعرفة.
​في العشرين، رافقتُ الشيخَ محمّدَ ابنَ الشيخِ رضا فرحات، وشقيقَ الشيخِ محمود، مديرَ عامّ المجلسِ الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى، ولفتني تشدُّدُه في اعتبارِ صلحِ الحسن لا يقلّ أهميّةً عن استشهادِ الحسين. أكثرتُ من التردّدِ على مجالسِ العلماء، أمثال: السيّد أحمد شوقي الأمين في مجدل سلم، والسيّد عبد الله الأمين في قلاوية، والشيخ عبد الله مديحلي في المنصوري، والشيخ علي الفقيه في حاريص، وأحزنني كثيرًا اغتيالُ صديقي الشيخِ الجميل عبد العزيز الفقيه.
​العلامةُ الفارقةُ التي أثْرَتْ وأثَّرتْ على امتدادِ هذا العمر هي العلاقةُ الشخصيّةُ والعائليّةُ التي جمعتني بكلٍّ من السيّدين: محمّد حسن الأمين، والسيّد هاني فحص، اللذين فتحا الأبوابَ مشرعةً على أسئلةِ الحداثةِ والتنوير.
​ولا يكتملُ المشهدُ إلّا بذلك الحضورِ البهيّ والجميل لصديقِ العمر، محمّد حسين شمس الدين، رضوانُ الله عليه، الذي كنّا نناديه تحبّبًا «بالشيخ». وبه كنتُ أستعينُ على ما يلتبسُ عليّ من مسائلِ الدينِ والدنيا، فهو موسوعةٌ في علومِ الكلامِ والفقهِ والشريعةِ والتاريخِ واللغة، وهو الشارحُ الأوّل لأفكارِ الإمام الراحل محمّد مهدي شمس الدين. والنقاشُ المفيدُ والحيويّ مع «الشيخ» لم ينقطع، حتّى قبل يومين من ولوجه بابَ الغياب.

​جوهر المذهب الجعفري والاعتدال
​لم تكن هذه المقدّمةُ إلّا للقول بأنّ التشيُّعَ المتسامحَ والمعتدلَ إنّما اهتدى ويهتدي بسيرةِ أئمّةِ المذهبِ الجعفريّ، الذين فصلوا بين الإمامةِ السياسيّةِ والإمامةِ الدينيّة، ولم يكن لهم مشروعُهم الخاصّ خارجًا على إجماعِ الأمّة، وأنّهم نذروا حياتهم لحفظِ وصونِ العقيدةِ والمذهب.
​بينما ذهبت مذاهبُ التشيُّع الأخرى، كالزيديّةِ والإسماعيليّةِ والقرامطةِ والتوّابين والحشّاشين، إلى مقارعةِ السلطةِ بالعنف، الذي أودى بمجملِ هذه الحركاتِ إلى العزلةِ والانتحار.

​شواهد تاريخية على حفظ الدماء
​والأمثلةُ على ذلك حاضرةٌ ومتوفّرة. أعرِضُ هنا لبعضها: عندما خرج الإمام زيدُ بنُ عليّ بنِ الحسين على هشامِ بنِ عبد الملك الأمويّ، لم يُناصره أخوه خامسُ أئمّةِ المذهب، محمّد الباقر عليه السلام. ويومها قالت الزيديّة إنّ الإمامة لا تكونُ إلّا لمن خرج بالسيف.
​وكذلك، لمّا خرج محمّدُ النفسُ الزكيّة، وهو محمّدُ بنُ عبد الله بنِ الحسن بنِ الإمام الحسن المجتبى، على الخليفة العباسيّ أبي جعفر المنصور، لم يُناصره ابنُ عمّه الإمام جعفر الصادق عليه السلام، ونصحه بعدمِ الخروج.
​وعندما خرج الإمام الحسين قال: «إنّما خرجتُ للإصلاحِ في أمّةِ جدّي». وكان ضنينًا بإراقةِ دماءِ المسلمين، فلم يحثّهم على القتالِ إلى جانبه، بل خاطبهم قائلًا: «فمن أحبّ منكم الانصرافَ فلينصرفْ من غيرِ حرجٍ عليه، وليس عليه منّا ذمام». وفي محاولةٍ أخيرةٍ منه لتجنّبِ القتال، يُلقي الحجّةَ على عمرَ بنِ سعدٍ قائلًا: «دعوني أرجعْ إلى المكانِ الذي أقبلتُ منه».
​وفي ليلةِ العاشرِ من محرّم، يخاطبُ أصحابَه: «هذا الليلُ قد غشيكم، فاتّخذوه جملًا، وتفرّقوا في سواده، فإنّ القومَ إنّما يطلبونني، ولو ظفروا بي لذهلوا عن طلبِ غيري».

​سيرة الأئمة والحرص على الجماعة
​وقبلَ ذلك، ودرءًا للفتنةِ وحفظًا لدماءِ المسلمين، تنازلَ الإمامُ الحسنُ عن حقّه في الخلافةِ لمعاويةَ بنِ أبي سفيان، فيما سُمّي بصلحِ الحسن، وسُمّي ذلك العامُ بعامِ الجماعة، الذي فرح به المسلمون.
​وقبلَ ذلك وبعدَه، وفي كلّ حين، لنا في سيرةِ أبي الحسنين وإمامِ المتّقين عليّ بنِ أبي طالب عليه السلام أُسوةٌ حسنة: «واللهِ لَأُسْلِمَنَّ ما سَلِمَتْ أُمورُ المسلمين، ولم يكن فيها جورٌ إلّا عليَّ خاصّة».
​الحديثُ يطول، والأمثلةُ لا تُعدّ ولا تُحصى، وهذه القراءةُ المختصرةُ أعرِضُها لمن يذكرون ويتفكّرون ويعقلون.

 

إقرأ أيضاً: قادة الحرس الإيراني: لماذا في بيروت وليس على الجبهات؟

Share

مواضيع مشابهة

06.04.2026

قادة الحرس الإيراني: لماذا في بيروت وليس على الجبهات؟


Read more
04.04.2026

البطل المهزوم: لماذا نمجّد من يقودنا إلى الكارثة؟


Read more
04.04.2026

لم يتبقَى من المقاومة سوى مجازية الإسم


Read more
‎© 2026 الدولة | جميع الحقوق محفوظة | مدعوم بحرية التعبير