معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

وهم “الخيار الثالث”: الحزب هو “المقاومة”

المساعدة البصرية: حجم الخط

 

“المقاومة” صارت أيديولوجيا، صارت هوية. بل أصبحت الغاية بحد ذاتها ولم تعد وسيلة لتحقيق أهداف محدّدة مثل حماية منطقة أو طائفة أو بلد. وهذا التحوّل في مفهومها انعكس عند الشيعة بقمع فكري على عموم الناس، عبر وضعها في موضع التبجيل والتقديس لذاتها وبذاتها بغضّ النظر عن أي سياقات أخرى.

 

لا أعرف إن كانت مدلولات مصطلح “مقاومة” تحمل التأثير نفسه عند شعوب أخرى، تبعًا لاختلاف البلدان والمجتمعات. وحتى كلمات مثل: ثوري، ثورة، ثوار، وثائر، لم تصل إلى مستوى القداسة من ناحية وقعها في النفوس وتأثيرها على الأفراد والجماعات، مثلًا عند اليساريين والشيوعيين والقوميين وغيرهم (وهم لهم دورهم في ترسيخ وتعزيز حالة جمود المصطلح وتأليهه ومنع نقده).
أما عند الشيعة، فقد التحم المصطلح وتوحّد مع كيانهم، حتّى صار، كبناءٍ ما فوق فردي وجماعي، يشد الجماعة الشيعية إلى بعضها البعض.

حزب الله والمقاومة: روح واحدة؟
كثيرون حين يقاربون مسألة الحرب الحالية بين إسرائيل وإيران وأذرعها، ووضع الحزب فيها، يقاربونها من زاوية أنّ حزب الله أخطأ في مساندة غزّة ثم مساندة إيران، وفي التوقيت، ويقولون إنّ المقاومة مشروعة. كأنّ هناك مقاومة خارج حزب الله. وكأنّ ثمة إمكانية لوجود هذه المقاومة بمعزل عنه. أو كأن هناك شروطًا فعلية تسمح بتحقق مقاومة كهذه خارج حزب الله في الوقت الراهن.
تمسّكهم بالمصطلح هو نتاج ما زرعه الحزب، والتاريخ، في نفوسهم، وليس نابعًا من تقييم منطقي وواقعي لإمكانية بناء مقاومة خارج حزب الله.
لذلك، فإن الصراع مع الحزب هو، في جوهره، صراع مع فكرة المقاومة نفسها. ولا يمكن فصل الصراع على أساس أنّ الحزب شيء والمقاومة شيء آخر، إلا في المتخيّل الفردي لكل شخص. قد يردّ أحدهم بأنّ: الظروف قد تخلق، بعد سنوات، إمكانية لبروز مقاومة جديدة. جوابي: كل شيء وارد، لكن ضمن المعطيات الحالية، لا تبدو هناك إمكانية فعلية لذلك.

نوستالجيا أم تكتيك سياسي؟
إذًا، صرنا أمام شيعة ملتحمين بمفهوم المقاومة، أكثر مما هم ملتحمون مع حزب الله، أو مع الثنائي الشيعي، وحتى مع اليسار أو مناصري القضية الفلسطينية أو غيرهم من الأحزاب والتيارات ممن يرفعون لواء المقاومة. لذلك، حين يطرح أحدهم أنّ النقاش لا يدور حول الحق بالمقاومة، بل حول مسألة الحرب والسلم وحقّ الدولة في قرار الحرب والسلم، فهو، في الوقت نفسه، يصوّب نقده على المقاومة نفسها.
وكل محاولة لفصل هذا عن ذاك ليست دقيقة، ولا تمتّ إلى الواقع بصلة. وهذه المحاولات تنتج إمّا عن عدم فهم للواقع، أو عن نوستالجيا حالمة، أو عن خوف، أو عن تكتيك سياسي يهدف إلى استقطاب الشيعة، أو على الأقل إلى عدم تنفيرهم من الخطاب السياسي.

بين المقاومة وحصر السلاح
وأكثر من ذلك، فإنّ حزب الله يدرك ويفهم هذه الخطابات والطروحات ربما أكثر من أصحابها الذين يطرحونها. فهو يعرف أنّ المقاومة وسلاحه وحدة واحدة متكاملة غير قابلة للتجزئة، ويعي أنّ الطروحات التي تفصل بين حصر السلاح وبين مسألة المقاومة، إما تصدر عن نيات بريئة وسليمة، أو عن نيات سيئة تقول شيئًا وتخفي شيئًا آخر.
فكل طرحٍ يطالب بحصر السلاح، هو في صميمه طرحٌ يتقدّم خطوة نحو التفاوض أو الهدنة أو السلام أو أي شكل من أشكال الاتفاق وإنهاء حالة الصراع مع إسرائيل، حتى لو قال أصحاب هذا الطرح العكس. عنادهم وتمسّكهم بالمقاومة لا يمكن صرفه بليرة وقت الغلاء. ويمكن أن يحمل هؤلاء ما شاؤوا من الشعارات، لكن الشعار بلا تطبيق ينفع لمنشورات السوشال ميديا وحصد اللايكات. وهذا يضعنا أمام فكرة أنّه لا خيار ثالث ولا رابع ولا خامس يمكن أن يصلح للطرح والنقاش.

وهم الخيارت الثلاثة
هناك خياران فقط لا ثالث لهما: إمّا لبنان بلد مواجهة عسكرية، أو لبنان بلد مسالم غير منخرط في المواجهة العسكرية، حياديّ إلى حدّ ما. أمّا الخيار الثالث، فسيقود في نهاية المطاف إمّا إلى الخيار الأول أو إلى الخيار الثاني. فإذا اقترب من الخيار الأوّل، سيغضب أنصار الخيار الثاني فيتهم بالممانعة، وإذا ذاب في الخيار الثاني، سيُتَّهم بالصهينة.

لماذا أفسّر الأمر بهذه الطريقة؟ الأمر بسيط: لأنّ كل الدروب تؤدي إلى روما. لكن أيَّ روما نريد؟

 

اقرأ أيضاً: “الأبَد” يحاصر الجامعة اللبنانية: ولاية مدى الحياة؟