التباس كبير يحيط بمسار مشروع قانون العفو العام، غداة تدخل نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب بطريقة بدت أقرب إلى “انقلاب سياسي” على تفاهمات بعبدا. ما أثار تساؤلات واسعة حول الهدف النهائي. فهل هو تفجير الشارع عشية المفاوضات المرتقبة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية؟ لا سيما أنّ هندسة التعديلات المقترحة بدت كأنّها صُمَِمَت للإطاحة بقانون العفو، أو على الأقلّ لاجتثاث ملف الموقوفين الإسلاميين من دائرة المستفيدين منه.
الشرارة انطلقت من طاولة بعبدا نفسها. فبحسب مصادر نيابية لموقع “الدّولة”، قرّر رئيس الجمهورية جوزاف عون، بناءً على تمنّي عدد من النواب الذين زاروه، الدعوة إلى اجتماع ضم نواباً مستقلين ومتابعين لملف العفو، إلى جانب ممثلين عن كتل نيابية وقيادة الجيش ووزير الدفاع، في محاولة لتدوير الزوايا وتقريب وجهات النظر. وانطلقت بعبدا من ثابتتين: حماية الوفاق الوطني في ملف شديد الحساسية، وصون كرامة المؤسسة العسكرية وحقوق المعنيين والاستقرار العام.
رئيس الجمهورية كـ”حَكَم” بين المؤسسات”
تشير المصادر إلى أنّ خطوة رئيس الجمهورية جاءت منسجمة مع دوره كرأس للدولة وحَكَم بين المؤسسات، مع حرص واضح على عدم تجاوز مبدأ الفصل بين السلطات أو التدخّل المباشر في المسار التشريعي. فالهدف، وفق المصادر، كان احتواء التوتر السياسي والشعبي ومنع اتّساع الفجوة بين الأطراف المعنية بما ينعكس سلباً على الشارع.
وبالفعل، قاد الرئيس جوزاف عون نقاشاً وُصِف بـ”الحيوي والصريح”، أفضى إلى تضييق مساحة الخلاف والتوصل إلى خلاصات مشتركة، مع بقاء نقطتين بحاجة إلى مزيد من المعالجة: آليات استبدال أحكام الإعدام والمؤبد، وآليات إخلاء السبيل. كما جرى الاتفاق على زيارة وفد نيابي يمثل مختلف الكتل إلى اليرزة للقاء وزير الدفاع ميشال منسّى وقائد الجيش رودولف هيكل، بهدف تثبيت التفاهمات وإرسال إشارات تهدئة إلى الشارع في مواجهة مناخات التحريض والتوتر المتصاعدة.
الياس بوصعب يقود الانقلاب
غير أنّ المشهد انقلب سريعاً في اليوم التالي، مع انطلاق حملة إعلامية مكثّفة روّجت لفكرة أنّ بعبدا قدّمت تنازلات على حساب “دماء العسكريين”، وأنّها “طعنت الجيش في ظهره”.
ترافق ذلك، بحسب مصادر “الدّولة”، مع تدخّل مباشر من الياس بو صعب، الذي سعى إلى إقناع رئيس مجلس النواب نبيه بري بأنّ ما جرى يشكل محاولة من رئاسة الجمهورية لمصادرة صلاحيات التشريع ونقل القرار النيابي إلى بعبدا، مقدّماً الأمر كفرصة لاستمالة المؤسسة العسكرية إلى جانب الثنائي الشيعي.
وتضيف المصادر أنّ بو صعب أجرى سلسلة اتصالات مع نواب سنة لم يشاركوا في اجتماع بعبدا، عارضاً عليهم “مكاسب إضافية” عبر قانون العفو تُظهرهم بموقع المنتصر شعبياً، بالتوازي مع اتصالات بقيادة الجيش ترافقت مع وعود بتعديلات أكثر تشدداً. وتقول المصادر إنّ هذه المبادرة حصلت على تغطية من عين التينة بهدف نسف التفاهمات التي أُنجزت في حضور رئيس الجمهورية.
ضرب علاقة الرئيس بالشارع السنّي
بحسب الرواية نفسها، فإن الهدف لم يكن فقط إسقاط مسار بعبدا، بل أيضاً ضرب العلاقة التي نجح الرئيس جوزاف عون في بنائها مع الشارع السنّي، وإحداث شرخ بين الرئاسة وقيادة الجيش في لحظة شديدة الحساسية.
تشير المصادر كذلك إلى أنّ بو صعب نقل خلال اجتماعات اللجان النيابية معلومات وصفت بـ”المغلوطة” عن موقف رئاسة الجمهورية، في محاولة لتكوين انطباع لدى النواب السنّة، ومن خلفهم الشارع السنّي، بأنّ الرئيس يتبنّى مقاربة سلبية تجاههم. ترافقت هذه الأجواء مع حملات سياسية وإعلامية ذهبت إلى حدّ الترويج لفكرة أنّ رئيس الجمهورية “يبيع السنّة”.
أسئلة ضرورية
لكن، وبعدما تبيّن لقيادة الجيش ولعدد من النواب السنة الذين انخرطوا في اجتماعات بو صعب، أنّ المسار كان أقرب إلى فخّ سياسي يهدف إلى تفجير التفاهمات التي وُلدت في بعبدا، وبالتالي إسقاط مشروع العفو، تطرح المصادر النيابية جملة تساؤلات أساسية، أبرزها:
- ما الصفة القانونية أو التشريعية للاجتماعات التي دعا إليها الياس بو صعب خارج الأطر الرسمية المعتمدة؟
- كيف تحوّلت مهمة تقريب وجهات النظر إلى منصة لإعادة خلط الأوراق السياسية والطائفية؟
- ولماذا حضرت النائبة بولا يعقوبيان هذه الاجتماعات تحديداً، رغم مواقفها المعروفة والمتشددة حيال ملف الموقوفين الإسلاميين ورئاسة الجمهورية؟
- وهل يبحث بو صعب الذي قاد خيوط هذه الأوركسترا عن إعادة إنتاج نموذج الراحل ميشال المرّ بأدواره المركّبة ونفوذه المعنون بـ”عمارة شلهوب”؟ أم أنّه أراد من هذا السيناريو منح الحزب تمريرة ذهبية لتفجير الشارع السني عشية المفاوضات مع إسرائيل بعدما فشلت محاولات سابقة؟
وتختم المصادر بالتحذير من أنّ اللعب بهذا الملف الحسّاس، تحت عناوين شعبوية وتحريضية، لا يهدّد فقط بإسقاط قانون العفو، بل يفتح الباب أمام توترات مذهبية وسياسية يصعب ضبطها في ظل سيولة معادلات النفوذ.
اقرأ أيضاً: وهم “الخيار الثالث”: الحزب هو “المقاومة”