منذ سنوات طويلة، والطائفة الشيعية في لبنان تعيش في قلب الحروب والصراعات. الجنوب يدفع، والبقاع يدفع، والضاحية تدفع، وفي كل مواجهة تكون البيوت الشيعية الأقرب إلى النار والدمار والنزوح والخسائر.
الجديد اليوم، وسط هذا المشهد الثقيل، أنّ السؤال بدأ يتسرّب إلى داخل البيئة الشيعية نفسها: إلى متى؟ وما هو أفق هذا الاستنزاف المفتوح؟
إسرائيل تعتمد سياسة الأرض المحروقة والتدمير الواسع، لا تفرّق بين حجر وبشر، ولا ترى في القرى الجنوبية إلا أهدافًا عسكرية. في المقابل، ما زال الحزب يتعامل مع الصراع بمنطق المعركة المستمرة وعدم التراجع مهما كانت الكلفة. لكن بين هذين الواقعين، يبقى المواطن الشيعي وحده من يدفع الثمن الأكبر من حياته وبيته ومستقبل أولاده.
القرى الجنوبية التي كانت تنبض بالحياة أصبحت مثقلة بالخراب والخوف. آلاف العائلات نزحت، ومواسم زراعية ضاعت، ومؤسسات أُقفلت، وأرزاق تبخّرت، فيما الهجرة تتزايد بين الشباب الذين لم يعودوا يرون مستقبلًا واضحًا لهم في بلد يعيش على حافة الحرب الدائمة. حتى من بقي في أرضه، يعيش قلقًا يوميًا من غارة أو تصعيد أو حرب جديدة قد تعيده إلى نقطة الصفر.
تفكّك العائلات وانعزال البيئة كلّها
الخسارة هنا ليست فقط مادية. هناك خسارة اجتماعية وإنسانية تصيب الطائفة الشيعية في العمق. شباب يُستنزفون، عائلات تتفكك تحت ضغط النزوح والفقر، وبيئة كاملة تُدفع نحو التعب واليأس والعزلة عن محيطها العربي والدولي. والسؤال الطبيعي: هل تستطيع أي طائفة أن تتحمل هذا النزيف المفتوح؟
المشكلة أن الحروب الطويلة لا تُبقي أحدًا قويًا. فحتى لو رُفعت شعارات الصمود والانتصار، فإنّ المجتمعات التي تُستنزف اقتصاديًا وبشريًا تدفع أثمانًا هائلة قد تحتاج عقودًا لتعويضها. وإسرائيل، مهما تضررت، تبقى دولة تملك اقتصادًا ومؤسسات ودعمًا دوليًا، بينما الطائفة الشيعية في لبنان تدفع من بيوتها وأرزاقها وأبنائها يوميًا.
ما هو الحلّ؟
من هنا، يصبح من حق الناس أن تسأل عن الحل الحقيقي، لا عن الشعارات فقط. والحلّ لا يكون باستمرار لبنان كساحة مفتوحة، ولا ببقاء الطائفة الشيعية وحدها في واجهة النار. الحلّ يبدأ بالعودة إلى منطق الدولة، والوقوف خلف الشرعية اللبنانية والمؤسسات الرسمية، لأنّ الدولة وحدها قادرة على حماية جميع اللبنانيين ضمن مشروع وطني جامع، بعيدًا عن منطق المحاور والاستنزاف الدائم.
فالطائفة الشيعية ليست مشروع حرب، بل جزء أساسي من لبنان، ومن حق أبنائها أن يعيشوا بأمان واستقرار وفرص حياة طبيعية كباقي الشعوب. أما استمرار هذا المسار، فلن ينتج إلا المزيد من الخراب والهجرة والتعب لجيل كامل يدفع ثمن صراعات أكبر من لبنان نفسه.
اقرأ أيضاً: نواف سلام: صور والنبطية “عقاب جماعي”… ولا مبرّر للتهجير