عندما تسمع عبارة “أوروبا إلى ضمور” تشعر للوهلة الأولى أنّها مبالغة بحقّ قارّة أنجبت التنوير، وبنت السوق الأوروبي الموحّد، وحكمت العالم قرنين. لكنّ الواقع بعد 2025 يقول إنّ السؤال لم يعد: هل تراجعت أوروبا؟
السؤال الحقيقي: هل ما نراه مسار لا رجعة فيه؟ أم هزّة تدفعها لإعادة التموضع قبل أن يطويها التاريخ كلاعب ثانوي؟
أوّلاً: الخروج من نادي الكبار صار واقعاً
التراجع لم يعد انطباعاً إعلامياً، بل رقماً موثقاً.
فاقتصادياً، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي 18 تريليون دولار مقابل 18.5 للصين و28 لأمريكا، مع نمو شبه متوقف منذ 2014.
فألمانيا دخلت ركوداً تقنياً منذ 2023-2024، وفرنسا وإيطاليا تغرقان في المديونية.
عسكرياً، كشفت حرب أوكرانيا أنّ أوروبا لا تستطيع خوض حرب عالية الكثافة بمعزل عن واشنطن.
مخازن الذخيرة شبه فارغة، والصناعة الدفاعية مفكّكة… صحيح أنّ الإنفاق العسكري وصل إلى 2.1% من الناتج القومي في 2025، وهو أعلى مستوى منذ بدء سجلات وكالة الدفاع الأوروبية، لكنّ جون ميرشايمر يرى أنّ “أوروبا في مأزق عميق اليوم، والوضع لن يتحسن، بل ستكون أقلّ استقراراً مما هي عليه اليوم”.
تقنياً، الفجوة أوضح. لا توجد شركة أوروبية تنافس Nvidia أو TSMC أو Huawei . أكبر لاعبي التكنولوجيا الأوروبيين هم SAP وASML، والأخيرة نفسها تعتمد على التصدير للصين ولا تصنع الشرائح. هذا ما دفع روبرت كاغان ليقول إنّ أوروبا تواجه اليوم ليس فقط روسيا كقوّة معادية لليبرالية، بل الولايات المتحدة نفسها، بعد أن تخلّت واشنطن فعلياً عن ضماناتها الأمنية لصالح نظام متعدد الأقطاب.
ثانياً: الجذر التاريخي للمشكلة
المفارقة أن ّهذا الواقع ليس جديداً. فكرة “أوروبا المستقلة” كانت جوهر رؤية شارل ديغول والمستشار الألماني كونراد أديناور في الخمسينات والستينات. كان الهدف واضحاً: بناء قوة أوروبية قادرة على الاعتماد على نفسها، والتحرّر من الهيمنة الأميركية. حتّى وإن كانت واشنطن حليفاً استراتيجياً. من هذا الدافع قام الاتحاد الأوروبي نفسه، كمشروع سياسي واقتصادي يهدف إلى جعل أوروبا فاعلاً لا مفعولاً به.
لكنّ التجربة فشلت عملياً لأن الطرح الفرنسي – الألماني المشترك لم يتحوّل إلى توافق أوروبي كامل. بقيت باريس وبرلين تتحدثان عن “الاستقلال الاستراتيجي”، بينما بقيت بقية العواصم مرتاحة تحت المظلة الأمريكية.
ضعف أوروبا انكشف بوضوح في أزمة كوسوفو في عام 1999. حينها تبيّن أنّ القارة لا تستطيع مواجهة صربيا بمفردها عسكرياً، واحتاجت إلى تدخّل حلف “الناتو” بقيادة أميركية. والأخطر أنّها لم تفعل شيئاً حقيقياً لحل هذه المعضلة بعدها. بقيت سياسة الدفاع الأوروبي شعارات ومشاريع على الورق، بينما استمرّ الاعتماد على واشنطن في كل أزمة كبرى، من أفغانستان إلى ليبيا إلى أوكرانيا.
ثالثاً: تفكّك المصنع الأوروبي
ألمانيا كانت “مصنع أوروبا”. غياب الغاز الروسي الرخيص غيّر المعادلة. شركة BASF رفعت أسعار منتجاتها في أوروبا حتّى 30% في آذار 2026 بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام واللوجستيات. والمدير التنفيذي كورت بوك قال صراحة إنّ الكهرباء في أوروبا تكلّف ضعف ما تكلّفه في أميركا، والغاز أكثر من ثلاثة أضعاف.
النتيجة: هجرة صناعية. BASF فتحت مصانع في لويزيانا حيث الطاقة أرخص 4 مرات. و Audi أغلقت مصنع بروكسل في شباط 2025. دراسة Arthur D. Little في العام 2024 وثّقت أنّ أسعار الكهرباء بالجملة في أوروبا هي 79.6 يورو لكلّ ميغاواط ساعة، مقابل 55.4 في أميركا.
الأسباب هيكلية: الشيخوخة، قوانين العمل الصارمة، بيروقراطية الاتحاد الأوروبي، والالتزام الصارم بالحياد الكربوني عبر نظام ETS الذي يرفع كلفة الصناعات الثقيلة أكثر من أميركا وآسيا. كما لاحظ نيكولا بافيريز في “Le Point”: “أوروبا تواجه هروب صناعتها ووظائفها ورؤوس أموالها نحو أميركا”.
رابعاً: ثلاثة أخطاء استراتيجية
- الاعتماد المفرط على أميركا أمنياً: لعقود أنفقت أوروبا 1.8% من الناتج على الدفاع وتركت واشنطن تتحمل عبء الناتو. مجلس العلاقات الخارجية الأوروبي ECFR يرى أنّ هذا كان مقبولاً في زمن الأحادية القطبية 1992-2017، لكنه انتحاري في عالم متعدد الأقطاب.
- الرهان الخاطئ على روسيا والصين: غاز روسي رخيص، وسوق صيني مفتوح. الاثنان انفجرا بوجه أوروبا في 2022. ميرشايمر يرى أنّ حرب أوكرانيا “استفزّها الغرب” وكشفت هشاشة هذا الرهان.
- التنظيم المفرط: قوانين المناخ والمنافسة والخصوصية في الاتحاد الأوروبي تخنق الابتكار السريع. معظم الشركات الناشئة الأوروبية تنقل مقرّها إلى الولايات المتحدة بعد جولة التمويل الأولى… ماركو منسينك، مدير مجلس الصناعة الكيميائية الأوروبية، يصف المشكلة: “صناعتنا تواجه انتقالاً مزدوجاً، لكن المشكلة أن سرعة هذا الانتقال تأتي بينما نواجه أعلى أسعار طاقة في العالم مقارنة بأمريكا والصين”.
خامساً: 2025-2026.. لحظة القطيعة مع واشنطن
الانقسام أصبح علنياً. أميركا ضربت إيران في تموز 2025 وشباط 2026 دون استشارة أوروبا. عندما طلبت واشنطن فتح مضيق هرمز، رفضت بريطانيا وفرنسا وألمانيا. ترامب وصفهم بـ”الجبناء” وهدّد بالانسحاب من الناتو.
تقرير بروكينغز في أيّار 2026 يوثّق أنّ ترامب أطلق “مجلس السلام” لغزة في كانون الثاني 2026 دون استشارة الأوروبيين. ولم ينضم إلا المجر وبلغاريا وألبانيا وكوسوفو. الفجوة ظهرت أيضاً في ملفّ غزّة: معظم الدول الأوروبية اعترفت بفلسطين ودعمت محكمة الجنايات الدولية، بينما وصفت واشنطن ذلك بأنّه “صفعة لضحايا 7 أكتوبر” وهدّدت بعقوبات.
كما كتب كاغان: “أوروبا تواجه الآن ليس فقط روسيا كقوة معادية لليبرالية، بل الولايات المتحدة أيضاً”.
سادساً: السيناريوهان أمام أوروبا
سيناريو الضمور: إذا بقيت أوروبا على حالها، ستتحول خلال 10 سنوات إلى “سوق استهلاكي كبير” تابع. قوّة ناعمة بلا سلاح، معايير بلا صناعة، يورو بلا ظهر عسكري. شرق أوروبا سيرتمي في حضن واشنطن، وجنوبها سيبحث عن حماية فرنسية – ألمانية ضعيفة. ميرشايمر متشائم: “أوروبا ستكون أقل استقراراً في السنوات القادمة”.
سيناريو التموضع: الفرصة لم تختفِ. أوروبا ما زالت قوية في القوة الناعمة والمعايير والسوق الموحّد: 450 مليون مستهلك، وفي التخصّص عبر ASML وAirbus وشركات الرفاهية الفرنسية والإيطالية.
لكنّ هذا يتطلب ثلاث قرارات مؤلمة:
- توحيد الصناعة الدفاعية الأوروبية ووقف شراء السلاح الأمريكي المفرط
- إعادة هيكلة الطاقة والصناعة لخفض الكلفة
- وتخفيف التنظيم الذي يقتل الابتكار.
ECFR يسمّي هذا “الواقعية الجديدة”: الاعتراف بعودة الحرب كعامل دولي، وبناء اكتفاء ذاتي دفاعي، والتحول من إدارة الأزمات التفاعلية إلى المرونة الاستباقية. وهو بالضبط ما دعا إليه ديغول وأديناور قبل 70 سنة، لكنه لم يُنفّذ.
زمن القوة المدنية انتهى
أوروبا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما. إما أن تعترف أنّ زمن “القوة المدنية” انتهى، وتعيد بناء قوتها الصلبة بثمن سياسي واقتصادي باهظ، أو تقبل دور التابع الذي يحفظ ماء وجهه بالخطابات والبيانات.
الضمور ليس حتمياً، لكنّه الاحتمال الأرجح إذا استمرّت أوروبا بالتصرّف كأنّها ما زالت في 2010. والتموضع يتطلب شجاعة سياسية لا تظهر حتى الآن إلا عند فرنسا وألمانيا بالكلام، لا بالفعل.
كما ختم ميرشايمر خطابه في البرلمان الأوروبي: “العالم الأحادي القطب مات. ومن يرفض الاعتراف بذلك سيخسر أكثر”.
أوروبا 2026 ليست أوروبا 2010. الفارق أنّ النقاش لم يعد “هل تراجعت؟” بل “هل تملك إرادة التموضع قبل فوات الأوان؟”.
إقرأ أيضاً: ما الذي يكشفه لقاء الصين وروسيا عن مستقبل النظام الدولي؟