معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

من الشقيف إلى القرى الحدودية… ماذا بقي للجنوبيين؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

صور علم إسرائيل ولواء غولاني، أقوى ألوية الجيش الإسرائيلي، فوق قلعة الشقيف التاريخية على نجرى نهر الليطاني في جنوب لبنان، هي صفعة سياسية مدويّة لكل الخطاب الذي سمعه الجنوبيون على مدى عقود.

 

 

ماذا يعني أن يقف جنود الجيش الإسرائيلي فوق أسوار واحدة من أكثر القلاع رمزية في جنوب لبنان، وأن تتحوّل القلعة التي شكّلت رمزاً للصمود والمواجهة إلى منصة لالتقاط الصور ورسائل التحدي؟

هذا يعني أنّ الجنوب يخسر، وإسرائيل تتقدّم، على الأرض وفي الوجدان العام.أما الذين وعدوا الجنوبيين بالحماية فيكتفون بتكرار شعارات لم تعد قادرة على إخفاء حجم التراجع الحاصل على الأرض.

انهيار المنظومة العسكرية والأمنية

بين بيانات النفي التي يصدرها حزب الله وبين الوقائع التي توثقها الصور، يقف الجنوبيون أمام حقيقة قاسية. الجنوب الذي قيل إنه محصّن بمنظومة ردع غير مسبوقة، يتحول تدريجياً إلى مساحة مفتوحة للغارات والتوغلات والاحتلال. والقرى التي قيل إنّها خط أحمر، أصبحت جزءاً من يوميات الحرب. أما المواقع التاريخية والاستراتيجية التي يفترض أنّها جزء من السيادة الوطنية، فباتت مسرحاً لرفع الأعلام الإسرائيلية والتقاط الصور التذكارية والاستعراض الإعلامي.

تاريخ قلعة الشقيف

قلعة الشقيف ليست مجرد موقع أثري. إنها واحدة من أبرز رموز الجنوب اللبناني، تطل على الليطاني ومرجعيون، وتحمل في حجارتها ذاكرة قرون من الحروب والصراعات التي شهدتها هذه الأرض. أعاد الصليبيون بناءها وتحصينها في القرن الثاني عشر، وتحوّلت عبر التاريخ إلى نقطة استراتيجية لكل ّمن سيطر عليها. واليوم تعود إلى واجهة الأحداث كدليل إضافي على حجم التراجع الذي يعيشه حزب الله في جنوب لبنان.

فأين البطولات التي وعد بها حزب الله الجنوبيون؟ وأين هي الترسانة التي لطالما قدمتها إيران وأبواقها باعتبارها “الضمانة الوحيدة” لحماية الأرض والسيادة؟ وكيف يمكن لحزب بنى شرعيته على فكرة الدفاع عن الجنوب أن يجد نفسه اليوم عاجزاً عن منع هذا المشهد من التكرار؟

تدمير لبنان… دون نتيجة

احتكر حزب الله قرار الحرب والسلم لعقود بحجة أنه الأقدر على حماية لبنان. صادر دور الدولة، وفرض معادلاته على الداخل اللبناني، وأوهم اللبنانيين أنّ سلاحه هو صمام الأمان الوحيد. لكنّ الوقائع الميدانية اليوم تفرض حكماً مختلفاً تماماً. فالجنوب ينزف، والقرى تدفع الثمن، والجنوبيون يخسرون أرضهم وأمنهم واستقرارهم، فيما يكتفي الحزب بإعادة إنتاج الخطاب نفسه الذي لم يعد يجيب عن أي سؤال.

الأخطر أنّ الخسارة لم تعد تقتصر على الجغرافيا. فكل يوم من هذه الحرب يقتطع جزءاً من ذاكرة الجنوب أيضاً. منازل مدمرة، بلدات مهجورة، معالم تاريخية تتحول إلى ساحات مواجهة، ومجتمع كامل يعيش تحت وطأة الخوف والنزوح. إنّها خسارة وطنية شاملة يدفع ثمنها الجنوبيون أولاً، بينما لا يزال الحزب يتحدث بلغة الانتصارات.

انكشفت الكذبة التي انطلت على الشيعة

المشكلة ليست في صورة نشرها أفيخاي أدرعي، ولا في بيان نفي أصدره حزب الله. المشكلة أنّ الجنوبيين، والشيعة خصوصاً، واللبنانيين عموماً، باتوا يشاهدون بأعينهم ما كان يُقال لهم إنّه مستحيل. كل يوم يمرّ، يخسر الجنوب قطعة جديدة من أمنه أو أرضه أو تاريخه، فيما تستمر القيادة نفسها في مطالبة الناس بتصديق الرواية ذاتها. وما يزيد من مرارة المشهد أن من وعد بتحرير الأرض وحمايتها، هو نفسه من جرّ لبنان إلى مواجهة مفتوحة من دون دولة قادرة على القرار أو على تحمل النتائج.

وإذا كانت “المقاومة” قد برّرت احتكارها للسلاح والقرار لعقود بأنّها الضمانة الوحيدة لحماية لبنان، فمن حق الجنوبيين اليوم أن يسألوا: أين هذه الحماية؟ وأين نتائج كل التضحيات التي طُلبت منهم؟ وأين الصواريخ التي قال حزب الله إنّها قادرة على ردع إسرائيل ومنعها من التفكير بخطوة كهذه؟ وأين الوعود التي أغرقت الجنوبيين بثقافة القوة والانتصار فيما الواقع يروي قصة مختلفة تماماً؟

خطورة “الشقيف”… ورمزيتها

أخطر ما في مشهد الشقيف ليس أن إسرائيل وصلت إلى القلعة، بل أنّ الجنوبيين باتوا يشاهدون خسارة أرضهم ورموزهم التاريخية تباعاً، فيما لا يسمعون سوى خطابات النصر. وعندما تصبح الفجوة بين الخطاب والواقع بهذا الحجم، لا تعود المشكلة في سقوط موقع أو تلة أو قلعة، بل في سقوط السردية نفسها التي بُني عليها كل هذا المسار.

قلعة الشقيف ستبقى شاهدة على لحظة فارقة في تاريخ الجنوب، لحظة لم يسقط فيها موقع استراتيجي فحسب، بل سقط معها ادعاء أنّ السلاح الخارج عن الدولة قادر وحده على حماية لبنان. وعندما تحتل إسرائيل الأرض وتهين الرموز التاريخية وتحوّل الجنوب إلى ساحة خسائر متراكمة، يصبح من حقّ الجنوبيين أن يسألوا من دون خوف: من أوصلنا إلى هنا؟ ومن يتحمل مسؤولية أن نخسر كل يوم جزءاً جديداً من الجنوب وأرضه وذاكرته؟

 

إقرأ أيضاً: تحوّلات شيعية (3): نهاية “فدا الصرماية”… وتوسّع المعارضة