كان يمكن لثيودوسيا وطوني كرم ألّا يكونا على تلك الطريق. لم يكن المطلوب معجزة، بل إدارة تعرف كيف تستبق الأخطار في زمن الحرب. كان يكفي أن تبادر رئاسة الجامعة اللبنانية إلى إجراء إحصاء لأماكن وجود طلابها، أو تشكيل خلية أزمة تتابع أوضاعهم. لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
تُرك الطلاب اللبنانيون لمصيرهم، وساروا نحو امتحاناتهم كما لو يسيرون في الأكفان. لأنّ إدارة الجامعة اللبنانية لم تترك لهم خيارًا آخر.
حرب… ومعركة أخرى
المأساة لم تكن نهاية الأسئلة، بل بدايتها. فبعد استشهاد الطالبين، لم يظهر أنّ رئاسة الجامعة قرأت الحدث باعتباره إنذارًا يفرض مراجعة شاملة لسياساتها. بل اكتفت بتأجيل الامتحانات لأسبوع. لم تُعلن خطة طوارئ، ولم تضع بروتوكولات واضحة للتعامل مع المخاطر المتزايدة، ولم تفتح نقاشًا جديًا حول سلامة الطلاب. وكأنّ المطلوب هو احتواء الصدمة إعلاميًا لا معالجة أسبابها.
في المقابل، و مع ازدياد القذائف في جنوب لبنان، بدا رئيس الجامعة بسّام بدران (ابن الجنوب) منشغلًا بمعركة أخرى: إقناع النواب بتعديل قانون على قياسه وتثبيت كرسيه وتمديد ولايته فوق القانون، بدلاً من أن يضع خطة حماية لطلابه في ظلّ هذه الظروف الاستثنائية.
القليعة تكشف الخلل
ثم جاء بيان بلدية القليعة ليكشف خللًا إضافيًا في إدارة الأزمة. فالبلدية تحدثت عن غياب المساواة في المعالجات المعتمدة، بحيث استفادت بعض المناطق من ترتيبات خاصة بينما تُركت مناطق أخرى تواجه مصيرها وحدها. وعندما تصبح الحلول مرتبطة بالاستثناءات والاتصالات الفردية بدل القواعد العامة الواضحة، تنتفي العدالة وتتحوّل الإدارة إلى ردود أفعال متفرقة لا إلى سياسة مؤسساتية متكاملة.
إذ كيف لرئيس الجامعة أن يقنع الأم الثكلى أنّ الحلّ صالح لطلاب بلدة رميش المحتلّة في الجنوب، ولا يصلح لطلاب القليعة في جامعة واحدة وحرب واحدة، هي البعيدة عنها كيلومترات قليلة في الجنوب نفسه.
الأكثر إحراجًا للرئاسة كان البيان الصادر عن مجالس الفروع الطلابية في الفروع الخامسة جنوباً. فبينما كانت الإدارة تتحدث عن صعوبة تقدير الواقع الميداني، استطاع الطلاب أنفسهم إجراء استبيان شمل 4100 طالب من أصل 7500، أي أكثر من نصف الجسم الطلابي. وقد أظهرت نتائجه أن 1907 طلاب غير قادرين على التقدم للامتحانات، لأسباب تتراوح بين انعدام وسائل النقل، وعدم القدرة على تحمل تكاليفها، والحصار المفروض على بعض البلدات. وما يلفت في هذا البيان أنّ الطلاب أنفسهم أبدوا حرصاً صريحاً على مراكز النزوح وعلى حرمة الامتحانات في الوقت ذاته.
تقصير رئاسة الجامعة
ما كشفه هذا الاستبيان يتجاوز الأرقام. فهو يثبت أنّ جمع المعطيات لم يكن مهمة مستحيلة، وأنّ معرفة أوضاع الطلاب لم تكن تتطلب أكثر من قرار إداري لم يُتّخذ. فإذا كان ممثلو الطلاب قادرين على تنظيم دراسة شملت آلاف المشاركين خلال أيام قليلة، فكيف عجزت رئاسة جامعة وطنية تملك الأجهزة الإدارية والموارد البشرية عن القيام بالمهمة نفسها؟
أسئلة تطرح….
جوهر المشكلة لا يكمن في الحرب وحدها، بل في غياب التخطيط لمواجهتها. فالإدارة الحديثة لا تنتظر وقوع الكارثة لتتحرك، بل تبني قراراتها على استشراف المخاطر وجمع المعلومات ووضع السيناريوهات البديلة. أما الإدارة التي تكتشف واقع طلابها من خلال بيانات البلديات أو استبيانات المجالس الطلابية، فهي إدارة تتلقى الأحداث بدل أن تديرها. وهي التي تتحمل وزر ما جرى وما قد يجري.
لهذا، لا يعود السؤال اليوم ما إذا كانت الجامعة قادرة على منع كل الأخطار، فذلك أمر لا يملكه أحد في زمن الحرب. السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت قد قامت بما يفرضه عليها واجبها من تخطيط واستعداد ومتابعة قبل أن يسقط الضحايا.
غياب التخطيط سبب الكارثة
وبين بيان القليعة، واستبيان الطلاب، ومأساة ثيودوسيا وطوني، تتشكل صورة واحدة يصعب تجاهلها: غياب خليّة الأزمة والتقصير في وضع آليّات الاستجابة قبل وقوع الكارثة. وبدران الذي يعرف الجنوب ويعرف حربه، وكان يملك الصلاحيّة والوقت والأدوات، اختار أن يكون في مكان آخر. لذلك، يتوجّه الطلاب إلى لجنة التربية النيابية والجهات القضائية المختصة بطلب فتح تحقيق جدي في كيفية إدارة الجامعة لهذه المرحلة، وتحديد المسؤوليات بوضوح. لأنّ حقّ ثيودورسيا وطوني، وحقّ كل طالب عُرّض للخطر، لا يسقط بالصمت.
إقرأ أيضاً: الجامعة اللبنانية تقتل طلابها