أجرى موقع “الدولة” مقابلة مع رئيس هيئة تشغيل مطار القليعات حامد زكريا، للوقوف على آخر المستجدات المتعلقة بالمشروع الذي يُنظر إليه كأحد أبرز المشاريع القادرة على إحداث نقلة نوعية في الشمال اللبناني. وكشف زكريا خلال المقابلة عن تفاصيل خطة التشغيل الأولية، والوجهات الجوية المرتقبة، والأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية للمطار، إضافة إلى التحديات التي تواجه المشروع وفرص نجاحه في المرحلة المقبلة.
الإرادة السياسية تعيد إحياء المشروع
يقول الأستاذ حامد زكريا، رئيس هيئة تشغيل مطار القليعات لموقع “الدولة”، أنّ العامل الحاسم الذي أعاد إحياء الملف يتمثل في توافر إرادة سياسية لم تكن موجودة في السابق. فالدراسات الفنية التي أُنجزت على مدى سنوات أكدت إمكانية تشغيل المطار، فيما كانت الاعتبارات السياسية والإدارية تشكل العائق الأساسي أمام تنفيذه.
وبحسب زكريا، فإنّ المتغيرات التي شهدها لبنان والمنطقة خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب توجّه الحكومة الحالية نحو تحريك المشاريع الحيوية، ساهمت في وضع المطار على سكّة التنفيذ الفعلي. لذلك لا ينظر إلى ما يجري اليوم كمجرّد خطوة مرحلية، بل كبداية مسار طويل يهدف إلى تحويل القليعات إلى مرفق مدني عامل يخدم الشمال والاقتصاد اللبناني عموماً.
مرحلة تشغيل تدريجية وخطة الرحلات الأولى
ورغم أنّ المشروع المطروح حالياً لا يمثّل الصيغة النهائية لمطار دولي متكامل، فإنّ أهميته تكمن في كسر الجمود الذي رافقه لعقود وإطلاق مرحلة تشغيل تدريجية تسمح باستقطاب الاستثمارات وتطوير البنية التحتية مستقبلاً.
وتقضي الخطّة الأولية بتجهيز المرافق الأساسية للركّاب والأمن العام والجمارك، على أن تبدأ الرحلات نحو أربع وجهات رئيسية هي دبي وإسطنبول والمدينة المنورة ومطار جوكوروفا التركي. كما سيعتمد التشغيل في مرحلته الأولى على رحلات “التشارتر” والطائرات الصغيرة والمتوسطة الحجم، ولا سيّما طائرات “إمبراير”، بما يتناسب مع الإمكانات الحالية للمدرج والبنية التشغيلية المتوافرة. وفي هذا الإطار، يجري العمل على تأمين التجهيزات اللوجستية الضرورية للاستثمار، بما فيها الاستفادة من بعض المعدات والخبرات المتوافرة في مطار بيروت، بما يساهم في خفض الكلفة وتسريع انطلاق المشروع من دون الحاجة إلى إنشاء كل المرافق من الصفر.
رافعة اقتصادية للشمال اللبناني
غير أنّ أهمية المشروع لا تقتصر على توفير رحلات جوية إضافية، بل تتجاوز ذلك إلى دوره المحتمل كمحرك اقتصادي للشمال اللبناني. فالمنطقة التي عانت طويلاً من ضعف الاستثمارات والتهميش تمتلك إمكانات كبيرة في الزراعة والصناعة والخدمات، لكنها تفتقر إلى بنية لوجستية متطورة تربطها بالأسواق الخارجية بكفاءة وسرعة.
الشحن الجوي ودعم القطاعات الإنتاجية
من هنا تبرز أهمية الشحن الجوي كأحد أبرز الأدوار المنتظرة للمطار. فالمزارعون والمنتجون في عكار وطرابلس وسائر مناطق الشمال يملكون طاقات إنتاجية كبيرة، إلا أن تصدير المنتجات الزراعية والغذائية ما زال يواجه تحديات مرتبطة بالنقل والكلفة والوقت. ويُنتظر أن يوفر المطار منفذاً سريعاً إلى الأسواق العربية والدولية، ما ينعكس إيجاباً على الإنتاج المحلي وفرص العمل والاستثمار.
تكامل مع مرفأ طرابلس والمنطقة الاقتصادية
كما تتجاوز الرؤية حدود المطار نفسه لتشمل مشروعاً اقتصادياً متكاملاً يربطه بمرفأ طرابلس والمنطقة الاقتصادية الخاصة. فالقرب الجغرافي بين هذه المرافق يتيح إنشاء منظومة لوجستية تجمع بين النقل البحري والجوي والخدمات التجارية والصناعية، الأمر الذي قد يمنح الشمال اللبناني فرصة حقيقية للتحول إلى مركز اقتصادي ولوجستي متقدم على مستوى شرق المتوسّط.
دور استراتيجي في قطاع النفط والغاز
وتزداد أهمية المشروع في ضوء الإمكانات المستقبلية المرتبطة بقطاع النفط والغاز في المياه الشمالية اللبنانية، إذ يمكن للمطار أن يشكل منصة دعم لوجستي للشركات والخدمات المرتبطة بعمليات الاستكشاف والإنتاج، ما يضيف إلى دوره الاقتصادي بعداً استراتيجياً طويل الأمد.
بوابة محتملة نحو سوريا وإعادة الإعمار
أمّا على المستوى الإقليمي، فإنّ الموقع الجغرافي للمطار يمنحه أهمية خاصّة بحكم قربه من الحدود السورية. وفي حال نجاح تجربة التشغيل واستكمال تطوير البنية التحتية المحيطة به، يمكن أن يتحول إلى بوابة للطيران منخفض الكلفة تخدم مناطق واسعة من شمال سوريا والساحل السوري، وتواكب مستقبلاً حركة التجارة والاستثمار وإعادة الإعمار، مستفيداً من موقعه القريب من البحر المتوسط وشبكات النقل البرية.
التحديات وفرص النجاح
ورغم التحديات المرتبطة بالتمويل والبنية التحتية والإدارة، فإنّ انتقال المشروع من مرحلة الانتظار إلى مرحلة التنفيذ يمثل بحد ذاته تحوّلاً مهماً. فنجاح الخطوة الأولى قد يفتح الباب أمام استثمارات أكبر ويعيد إحياء واحد من أكثر المشاريع الإنمائية طموحاً في لبنان.
في المحصلة، يرى حامد زكريا أنّ مطار القليعات ليس مجرّد مشروع للنقل الجوي، بل فرصة استراتيجية لإعادة التوازن الإنمائي داخل لبنان وإطلاق دينامية اقتصادية جديدة في الشمال. وبين الطموحات الكبيرة والتحديات القائمة، تبقى المرحلة المقبلة الاختبار الحقيقي لقدرة هذا المشروع على التحول من حلم مؤجل إلى واقع يساهم في تنمية المنطقة وتعزيز الاقتصاد الوطني.
إقرأ أيضاً: لقاء برّي بسفير أميركا: الجنوب “منطقة تجريبية”؟