معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

من “الجولاني” إلى “الأخّ الشرع”: الجغرافيا “تُهذّب” الحزب ولغتَهُ

المساعدة البصرية: حجم الخط

من “التكفيري” إلى “الأخ”، تبدّل لقب لم يكن وحده. خلف تغيّر اللغة، جغرافيا جديدة تُعيد ترتيب حسابات المحور كلّه... فكيف تحوّل “التكفيري أبو محمد الجولاني” إلى “الأخ أحمد الشرع” عتلى ألسنة قادة الحزب في لبنان؟ وكيف أصبح بشّار الأسد “مجرماً وقرار دعمه كان خاطئاّ” على ألسنة أبواقه؟ وكيف أصبحت جريدة “الأخبار” الناطقة باسم الرئيس أحمد الشرع، باعتباره يقدّم “نصائح وطنية” للرئيس نواف سلام، بعدما أرسل الحزب عشرات آلاف الشباب الشيعة لقتال الشرع وكل من عارض بشّار الأسد في سوريا؟

 

لم يعد التحول في خطاب البيئة السياسية والإعلامية المحسوبة على حزب الله تجاه الرئيس السوري أحمد الشرع مجرّد تبدّل لغوي أو زلّة يمكن تجاوزها. فالشخص الذي جرى تقديمه لسنوات طويلة بوصفه “أبو محمد الجولاني الإرهابي والتكفيري”، والذي خاض الحزب ضدّه حرباً دامية في سوريا، يُعاد اليوم تقديمه في خطاب بعض الوجوه المحسوبة على هذا المحور بلقب “الأخ أحمد الشرع”. هذا التحول لا يعكس مراجعة فكرية، بل إعادة تموضع تفرضها الوقائع الميدانية بعد سقوط النظام السوري السابق.

خط الإمداد المنقطع: الجغرافيا غيّرت كلّ شيء

المتغيّر الحقيقي لم يكن في الخطاب، بل في الأرض. فسقوط النظام السابق في دمشق أدّى إلى تفكّك شبكة الإمداد العسكري والمالي والسياسي التي اعتمد عليها حزب الله لسنوات طويلة، والتي ربطت إيران بالعراق وسوريا وصولاً إلى لبنان.

السلطة السورية الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع اتخذت خطوات مباشرة أعادت ضبط الحدود بشكل صارم، أبرزها:

  • إغلاق معابر التهريب غير الشرعية
  • تفكيك شبكات الكبتاغون ومصادر التمويل الموازي
  • تشديد الرقابة على الحدود السورية اللبنانية
  • تقليص حركة الإمداد غير النظامية عبر الأراضي السورية

في هذا السياق، يبدو أي تليين في الخطاب تجاه دمشق الجديدة أقرب إلى محاولة لإعادة فتح نافذة سياسية وأمنية، أو ربّما إلى تحوّل جدّي في القناعات.

من “الإرهابي” إلى “الأخ”: مراحل تبديل اللغة

ظهر التحول تدريجياً داخل البيئة الإعلامية المحسوبة على حزب الله. صحيفة “الأخبار” لعبت دوراً محورياً في إعادة تقديم دمشق الجديدة من خلال تسريبات ومواقف منسوبة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، تركّز على رفض “التنازلات المجانية لإسرائيل”، بما يسمح بإدخاله في خانة “التقاطع السياسي” أمام الرأي العام الشيعي، بدل العداء المطلق.

لكنّ النقلة الأوضح جاءت في كلام نواف الموسوي الذي استخدم توصيف “الأخ أحمد الشرع”، وهو تعبير يتجاوز اللغة السياسية التقليدية نحو إعادة تعريف رمزية العلاقة مع دمشق الجديدة.

كورال الأصوات: من يقود التحوّل ومن يتبعه؟

هذا التحوّل لم يكن متجانساً، بل ظهر عبر شبكة أصوات تؤدي أدواراً مختلفة:

  • نواف الموسوي: يمثل التحول الأكثر مباشرة في الخطاب، من لغة الصراع إلى لغة إدارة الواقع.
  • جريدة “الأخبار”: تعمل كمنصّة تمهيد للرأي العام عبر إعادة صياغة صورة دمشق الجديدة كطرف يمكن التقاطع معه.

  • حسن الدر: محلّل سياسي قريب من حزب الله جدّاً، ومن حركة أمل، يساهم في تفكيك السردية السابقة عبر إبراز تناقضات المرحلة السورية الماضية، ما يسهّل فك الارتباط الرمزي معها.

  • سحر غدّار وعلي برّو: يعكسان شرخاً داخل القاعدة نفسها، حيث تُطرح أسئلة حول التحالفات القديمة والتناقضات الجديدة، ويظهر نقد واضح لمسار التدخل في سوريا بوصفه تجربة مكلفة أُعيد النظر فيها اليوم.

طهران في الخلفية: من يدير اللعبة فعلاً؟

لا يمكن فصل هذا التحوّل عن الإطار الإقليمي الأوسع. إيران، بوصفها المركز الأساسي في شبكة المحور، تدرك أنّ خسارة سوريا بالكامل تعني خسارة خط الإمداد الاستراتيجي نحو لبنان. لذلك، فإنّ تليين الخطاب تجاه دمشق الجديدة يبدو أقرب إلى إدارة مرحلة انتقالية هدفها منع الانهيار الكامل لشبكة النفوذ، لا إعادة بناء علاقة استراتيجية مستقرة.

في المقابل، يبقى العامل الإسرائيلي حاضراً كعنصر تقاطع ظرفي، لكنه غير كافٍ لتأسيس تحالف فعلي.

ثلاث طرق إلى دمشق الجديدة

المشهد يتجه نحو ثلاثة احتمالات:

  1. تفاهم نفعي محدود (الأرجح): قنوات اتصال غير معلنة لضبط الحدود ومنع الانفجار، مقابل هامش حركة محدود ومراقَب.
  2. قطيعة كاملة: في حال ذهبت دمشق الجديدة نحو إنهاء كامل لشبكات النفوذ السابقة، ما يضع الحزب أمام عزلة جغرافية واضحة.
  3. صفقات رمادية: تفاهمات جزئية غير معلنة تسمح بتمرير مصالح محددة مقابل تنازلات أمنية متبادلة. أي تسمح بتمرير أسلحة محدّدة للحزب من أجل منع إسرائيل من الانتصار في لبنان بشكل نهائي.

ما يجري ليس تحوّلاً أيديولوجياً ولا ولادة تحالف جديد، بل إعادة ضبط قسرية فرضتها الجغرافيا على الجميع.

بين “خندق الدم” و”ضرورة الجغرافيا”، تتراجع الشعارات أمام حسابات البقاء، وتُعاد صياغة الخصومات القديمة بلغة أكثر برودة، وأقل ارتباطاً بالذاكرة، وأكثر التصاقاً بالواقع.

 

إقرأ أيضاً: رياض قبيسي يكذّب حسن الدرّ… عن طائرات fpv