يمنع العالم القنبلة قبل أن تُصنع، ويصمت أمام الركام بعدما صار واقعًا. سؤال بسيط يفرض نفسه: لماذا يُحاسَب الخطر المحتمل، بينما يمرّ الدمار الفعلي دون حساب؟
منذ سنوات، ترفع الولايات المتحدة وإسرائيل شعار منع إيران من امتلاك السلاح النووي، باعتبار أنّ امتلاكه يشكّل تهديدًا للأمن الإقليمي والدولي، وأنّ منعه ضرورة لحماية المنطقة والعالم من كارثة قد تكون غير مسبوقة. لكن، في المقابل، يبرز سؤال أخلاقي وسياسي لا يمكن تجاهله: هل يمكن تبرير الحروب والدمار الهائل بحجة منع خطر قد يقع مستقبلًا؟
غزة… أرقام لا تُحصى
ففي غزّة، تشير تقارير وتقديرات مختلفة إلى سقوط أكثر من ثلاثة وسبعين ألف ضحية، وإصابة ما يزيد على مئة وسبعين ألف جريح، مع وجود تقديرات ترى أنّ الحصيلة الفعلية قد تكون أعلى. كما دُمِّرت أحياء سكنية بأكملها، وسويت مدن ومخيمات واسعة بالأرض، واستُهدفت المستشفيات والمدارس والبنى التحتية، وتحولت حياة ملايين المدنيين إلى مأساة إنسانية مفتوحة.
لبنان… جرح لم يندمل
وفي لبنان، سقط آلاف الضحايا وعشرات الآلاف من الجرحى، وتعرّضت قرى وبلدات ومناطق واسعة لدمار كبير، فيما نزحت مئات الآلاف من العائلات، وتكبّد الاقتصاد خسائر فادحة، وما زالت آثار الحرب الإنسانية والاجتماعية ماثلة حتى اليوم.
الحقيقة التي يتجاهلها العالم
وهنا تبرز الحقيقة التي يتجاهلها العالم: فالضحية لا تسأل إن كان السلاح الذي أنهى حياتها نوويًا أم تقليديًا، والعائلة التي فقدت أبناءها أو منزلها لا يعنيها نوع الصاروخ الذي تسبّب في مأساتها. فالنتيجة واحدة، أرواح تُزهق، ومدن تُدمَّر، وأجيال تحمّل آثار الحرب لعقود.
إنّ التحذير من انتشار الأسلحة النووية أمر مشروع، لكنّ الإنسانية لا تكون انتقائية. فإذا كان العالم يرفض احتمال وقوع كارثة نووية مستقبلية، فمن باب أولى أن يرفض الكوارث الإنسانية التي تقع اليوم أمام أنظاره، وأن يتعامل مع جميع الضحايا بالمعيار نفسه، بعيدًا عن الازدواجية السياسية.
الأمن لا يُبنى بالسلاح وحده
لقد أثبتت التجارب أنّ الأمن الحقيقي لا يتحقّق بالقوّة العسكرية وحدها، بل بإرادة سياسية تضع الإنسان في المقام الأول، وتلتزم بالقانون الدولي، وتسعى إلى تسوية النزاعات بالحوار لا بالحروب.
ويبقى السؤال الذي يستحق أنّ يطرحه كل صاحب ضمير: إذا كان الهدف منع القنبلة النووية، فمن يحاسب على الدمار الهائل الذي خلفته الحروب التقليدية؟ وهل تختلف قيمة الإنسان باختلاف نوع السلاح الذي يسلبه حياته، أم أنّ حياة الإنسان تبقى القيمة العليا التي يجب أن تتقدّم على كل الحسابات السياسية والعسكرية؟
إقرأ أيضاً: فكر الحزب أخطر من سلاحه: قراءة في الدرس المصري