هل نجحت إسرائيل في تفكيك خطوط الإمداد للحزب؟ وهل كان ظهور مسيّرات fpv واستمرار تقديم المساعدات المالية للشيعة المتضررين من الحرب مجرد مصادفة ميدانية؟ أم نتيجة ثغرة فتحها الحزب في جدار الحصار المالي والعسكري؟
منذ اللحظة التي اعتقدت إسرائيل أنّها نجحت في تفكيك معظم خطوط الإمداد التقليدية لحزب الله، برز سؤال لم تستطع الضربات العسكرية وحدها الإجابة عنه: كيف تمكّن الحزب من الاستمرار في إدارة كلفة الحرب الاجتماعية والعسكرية رغم حجم الخسائر والضغوط؟
فالرهان الإسرائيلي لم يكن يقتصر على استهداف الصواريخ والمخازن والقيادات، بل قام أيضاً على فرضية أنّ خنق الممرات المالية واللوجستية وضرب فروع “القرض الحسن” و”الخزنات المالية” التي تطايرت الدولارات بعد استهدافها في أنحاء لبنان… سيقود تدريجياً إلى إنهاك الحزب وعزله عن مصادر الدعم المالي. إلا أنّ الوقائع التي ظهرت خلال الأشهر اللاحقة أوحت بأنّ المشهد أكثر تعقيداً من معادلة حصار ونتائج مباشرة.
مؤشرات ميدانية ومالية
في حين كانت إسرائيل تتحدّث عن تضييق الخناق على خطوط الإمداد الإيرانية التقليدية، برزت مؤشرات ميدانية ومالية أعادت طرح الأسئلة:
- ظهر استخدام أكثر تطوراً لمسيّرات fpv، بعضها يعتمد على تقنيات مستوحاة من تجارب الحروب الحديثة، خصوصاً في أوكرانيا، ما أثار نقاشاً حول كيفية وصول المكوّنات التقنية اللازمة إليها.
في هذا السياق، أكد الدكتور أندرياس كريغ، الخبير الأمني في “كينغز كوليدج لندن”، لـBBC Verify ، أنّ الحزب يعتمد على تجميع هذه المسيّرات محلياً من مكوّنات تجارية متاحة في الأسواق ومستوردة من الصين، بكلفة تتراوح بين 300 و500 دولار للوحدة الواحدة. وبحسب التحليل الذي نشرته الشبكة، فإن التكنولوجيا المعتمدة على الألياف الضوئية تتيح نقل الصورة لمسافات تتجاوز 20 كيلومتراً، وتحدّ بدرجة كبيرة من فعالية وسائل التشويش والحرب الإلكترونية، كما تجعل تحديد موقع المشغّل أكثر تعقيداً.
- من جهة ثانية، استمرّ الحزب في دفع رواتب كوادره الأساسية وتقديم بعض المساعدات للمتضررين من الحرب، في وقت كان كثيرون يتوقعون فيه أزمة سيولة خانقة.
تزامن استمرار التدفقات النقدية مع ظهور وسائل قتالية جديدة يمكن اعتباره مؤشّراً إلى أنّ الضغوط العسكرية والمالية لم تنجح في إغلاق جميع المسارات البديلة.
هنا تحديداً تظهر الصورة الأوسع:
فالحرب لم تغلق الحدود الاقتصادية والسياسية للمنطقة، بل دفعت مختلف الأطراف إلى البحث عن قنوات جديدة للحركة. وبين لبنان وسوريا وتركيا والعراق، ما زالت توجد شبكات تجارية ومالية رسمية وغير رسمية يصعب إخضاعها بالكامل لمنطق الحصار.
غير أنّ الخطأ يكمن في النظر إلى هذه الشبكات من زاوية التحالفات التقليدية فقط.
دمشق الجديدة وحسابات البقاء
فسوريا الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع ليست حليفاً لحزب الله، ولا امتداداً للمحور الإيراني بالشكل الذي عرفته المنطقة طوال العقود الماضية. بل إنّ العلاقة بين الطرفين مثقلة بإرث طويل من الخلافات والصدامات السياسية والعسكرية.
ومع ذلك، فإنّ السياسة في الشرق الأوسط لا تُدار دائماً بمنطق الأصدقاء والأعداء. فالقيادة السورية الجديدة تدرك أنّ تمدّد النفوذ الإسرائيلي داخل الجغرافيا السورية وتحوّل إسرائيل إلى قوّة تتمتع بحريّة حركة واسعة يطرح تحديات مباشرة على مستقبل سوريا نفسها. ومن هذه الزاوية قد تنشأ تقاطعات مصالح محددة لا تعني بالضرورة وجود تحالف سياسي أو أمني شامل.
الموقف التركي ولعبة التوازن
الأمر نفسه ينسحب على تركيا.
فأنقرة ليست حليفاً لحزب الله، ولم تكن يوماً جزءاً من المحور الإيراني. لكنها تنظر أيضاً بعين القلق إلى أي واقع إقليمي يسمح لإسرائيل بالتحول إلى المرجعية الأمنية والسياسية الوحيدة في شرق المتوسط والمشرق العربي.
وتشير بعض الدراسات الصادرة عن “معهد المشرق للسياسات” إلى أنّ المصالح الإقليمية المتشابكة قد تدفع قوى مختلفة إلى تبنّي سياسات تحدّ من قدرة أي طرف على فرض هيمنة كاملة على المشهد الإقليمي، حتى وإن كانت تلك القوى تختلف جذرياً في ملفات أخرى.
ومن هنا تبرز فرضية تقاطع المصالح أكثر من فرضية التحالفات التقليدية.
الأصول والسيولة الرمادية
أما على المستوى المالي، فتبدو الصورة أكثر حساسية.
فالحزب وجد نفسه بعد الحرب أمام تحدٍّ مزدوج: الحفاظ على بنيته التنظيمية من جهة، وإدارة التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للحرب من جهة أخرى. فتعويض المتضررين ومساعدة العائلات النازحة ودفع رواتب الكوادر والمؤسسات المرتبطة به تحولت جميعها إلى التزامات أساسية.
في هذا السياق برزت تساؤلات حول دور الأصول غير التقليدية، وفي مقدمتها الذهب. فمع تضييق الخناق على التحويلات المالية التقليدية، ازدادت أهمية الأصول القابلة للتسييل السريع.
يتحدث متابعون وخبراء في الأسواق المالية عن نشاط متزايد في تداول الذهب خارج القنوات التقليدية إقليمياً. يستفيد من شبكات الصاغة وتجار المعادن الثمينة الممتدة بين لبنان وسوريا وتركيا. وهي شبكات لطالما استقطبت اهتمام الجهات الرقابية الدولية بسبب قدرتها على تحويل الأصول إلى سيولة نقدية بعيداً عن النظام المالي التقليدي ومنظومات الرصد الدولية.
وبينما يصعب التحقق من حجم هذه العمليات أو نطاقها بدقّة، إلا أنّها تبقى إحدى الفرضيات المطروحة لتفسير استمرار التدفقات النقدية رغم الضغوط المالية الكبيرة.
تقاطع تركي – قطري مع إيران؟
إذا كانت إسرائيل قد ركّزت على تعطيل المسارات الإيرانية التقليدية، فإنّ التطوّرات تشير إلى أنّ المنطقة بأكملها أعادت إنتاج مسارات أكثر تعقيداً ومرونة.
والتطورات التقنية المرتبطة بمسيّرات الألياف الضوئية فرضت واقعاً ميدانياً جديداً، دفع القوات الإسرائيلية إلى تعزيز إجراءات الحماية والتحصين الميداني في مواجهة تهديدات يصعب التعامل معها بالأدوات التقليدية للحرب الإلكترونية.
لكنّ جوهر القضية لا يتعلق فقط بالذهب أو بالمسيّرات أو بالحوالات المالية، بل بقدرة الفاعلين الإقليميين على إعادة تشكيل أدواتهم تحت الضغط، وبكيفية تداخل المصالح المتناقضة داخل مشهد سياسي متحرك.
فتركيا ليست حليفاً لحزب الله، ودمشق الجديدة ليست امتداداً لطهران، وقطر تتحرك وفق حساباتها الخاصة، لكن ذلك لا يمنع وجود نقاط التقاء ظرفية عندما يتعلق الأمر بمنع تشكل توازن إقليمي جديد تهيمن عليه جهة واحدة.
من هنا، قد يكون السؤال الحقيقي أبعد من مصير حزب الله نفسه:
- هل نجحت إسرائيل فعلاً في خنق شبكات الإمداد والتمويل، أم أنها دفعت المنطقة إلى ابتكار مسارات جديدة أكثر مرونة وأصعب على الرصد؟
- وما هو الدور التركي والقطري في هذه المسارات الجديدة؟ خصوصاً مع العداء المتزايد بين تركيا وإسرائيل، ومع اتجاه قطر إلى التقارب مع حزب الله بشكل واضح في الملفّ اللبناني؟
وحتّى تتضح الإجابات، ستبقى الوقائع الميدانية والمالية التي ظهرت بعد الحرب مؤشراً على أنّ الصراع لم يعد يدور فقط على الجبهات، بل أيضاً في المساحات الرمادية التي تتقاطع فيها التجارة والسياسة والأمن والمال.
إقرأ أيضاً: الحزب يلفّق خبراً عن الرئيس عون وجان عزيز… وتحقيق فُتِح