لم ترحل الوصاية عن لبنان في نيسان 2005، بل غادرت “البذلة العسكرية” المرقطة لترتدي “العباءة الأيديولوجية”. مَن ظنّ أن رحيل غازي كنعان أو تصفية رستم غزالة كانا ولادة لـ”الدولة اللبنانية” قد سقط في فخ السذاجة؛ ما جرى لم يكن تحرراً، بل عملية “تسليم وتسلم” هادئة لكتالوج الإخضاع، إنتقلت بموجبه مفاتيح “الدولة العميقة” من عنجر إلى ضاحية بيروت الجنوبية.
أسس نظام البعث السوري بنية تحتية للتركيع لا تموت بإنسحاب جيش. فكان كنعان ينسج القوانين الإنتخابية على مقاس الأزلام ويخترق الطوائف ليصنع زعامات من ورق، بينما مارس غزالة البلطجة السياسية المباشرة ورعى كارتيلات المال. هذه المدرسة لم تنتهِ، بل تلقفها “حزب الله” الذي أدرك أنّ حماية سلاحه تقتضي وراثة هذه الشبكة وإعادة إنتاجها محلياً بأسلوب أكثر خطورة.
لم يعد الحزب بحاجة لضابط مخابرات يملي الأوامر على السراي. فقد تحوّل هو نفسه إلى “الدولة العميقة”. أرست المنظومة معادلتها الشهيرة: “الفساد والسلاح والقرار الإستراتيجي”. غضّ الحزب الطرف عن نهب الصناديق وهندسات المصارف وسرقة المودعين من قِبل “الكارتيل السياسي والمالي”، مقابل سكوتهم وتأمين الغطاء الشرعي لمشروعه. وعندما تجرأت حكومة السنيورة عام 2008 على المسّ بـ”أمن السلاح” وشبكة إتصالاته، جاء الرد دماً في “7 أيار”، ليرسم بالرصاص خطاً أحمر فوق رأس الدولة، متوّجاً الخضوع بـ”اتفاق الدوحة” والثلث المعطل.
برّي وجنبلاط و”الهندسة”
في قلب هذه المنظومة، برز نبيه بري ووليد جنبلاط كمهندسين تاريخيين لحماية هذه الدولة العميقة. يمسك بري بمفاتيح البرلمان منذ عقود، محوّلاً إياه إلى خط دفاع أول لتعطيل أو تمرير القوانين وفق مقاس المنظومة، ومشكّلاً الجسر الأمني والسياسي الذي يربط ويحمي مصالح السلاح بالدولة عبر شبكة توظيف هائلة.
في المقابل، يتقن جنبلاط دور “بيضة القبان” واللعب على التناقضات لحماية حصته الطائفية عبر التموضع المرن. إذ شارك في كلّ العهود (من عنجر إلى الضاحية)، مستخدماً نفوذه لإجهاض أي خطة إصلاحية قد تمس بـ”كارتيل الطوائف” والمحاصصة.
ولأنّ السيطرة على القمة لا تكفي، تغلغلت أذرع الدولة العميقة إلى القاع، وتحديداً إلى النقابات والروابط المهنية التي كانت حصن المجتمع المدني المنيع، فجرى تدجينها ببراعة.
شبكة مصالح جهنّمية
ففي “الاتحاد العمالي العام”، رعت السلطة تفريخ عشرات الإتحادات الوهمية لسرقة أصوات العمال وتثبيت قيادات تابعة تدير الإضرابات بالريموت كونترول السياسي.
وفي نقابات المهن الحرة، تسقط الخلافات الوهمية بين أحزاب السلطة لتلتقي في “تحالفات سداسية” هجينة، تتقاسم المقاعد وتجهض أي نفس تغييري أو محاولة لمحاسبة الفاسدين.
إنّها المنظومة متعدّدة الرؤوس: “المافيا والميليشيا ورأس المال تحت عباءة طائفية”. شبكة مصالح جهنمية قادرة على خنق أي مسار قضائي، كما رأينا في جريمة تفجير مرفأ بيروت، حيث وقفت الدولة العميقة بكل ثقلها لحماية المطلوبين وتهديد القضاة بـ”القبع”.
اليوم، يعيش لبنان في ظل جمهورية مستعبدة، تُدار بآليات وضعها كنعان وغزالة، وجوّدها وطوّرها حزب الله مستنداً إلى فائض قوته وتواطؤ شركائه. الوجوه في الواجهة تتغير، الحكومات تأتي وتذهب، والإنتخابات تُجرى كمسرحية دورية، لكن الناظم الحقيقي للبلد، والآمر الناهي في السلم والحرب، والإقتصاد والأمن، يبقى قابعاً خلف الكواليس، يدير دولة عميقة تأكل الأخضر واليابس، وتقدم جثة الوطن قرباناً على مذابح المحاور الإقليمية.
إقرأ أيضاً: جمهور الحزب vs فلسطين: نهاية الغرام؟