معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

إعادة الترشح تمديدٌ مقنّع: فلسفة القانون في رئاسة الجامعة؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

في مقابلته الأخيرة، شدّد رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور بسّام بدران على أنّ التعديل المقترح على قانون رئاسة الجامعة لا يشكّل تمديداً، بل مجرد إعادة فتح باب الترشّح. غير أنّ المشكلة لا تكمن في التسمية، بل في الغاية التي أرادها المشرّع عندما نصّ صراحة على عدم جواز الترشح مجدداً بعد انقضاء ولاية كاملة.

 

إعادة فتح باب الترشّح لشخص يشغل منصب رئيس الجامعة حالياً بعد انتهاء ولايته تعني: إتاحة بقائه في موقع الرئاسة لولاية إضافية. ومن هذه الزاوية تحديداً، تصبح إعادة الترشّح شكلاً من أشكال التمديد المقنّع، حتى لو اختلفت التسمية القانونية أو الإجرائية.

فلسفة القانون وتداول المسؤولية

فهذا القيد لم يُوضع عبثاً، بل لحماية المؤسسة من تضارب المصالح ولضمان التداول الطبيعي للمسؤولية.
فرئيس الجامعة ليس مرشحاً عادياً يمكن وضعه في موقع المساواة مع سائر المرشحين، بل هو يشغل أعلى موقع إداري في المؤسسة ويتمتع بحضور مؤسسي وإعلامي وتأثير معنوي لا يتوافر لغيره من المرشحين.
كما أنّ السماح بإعادة فتح باب الترشّح، مع بقاء شاغل المنصب داخل موقع القرار والإدارة، يؤدي عملياً إلى جمعه بين موقع الناخب والمرشّح في آنٍ واحد، بما يخلّ بجوهر الضمانات الدستورية للنزاهة والحياد وتكافؤ الفرص، ويحوّل الاستثناء التشريعي إلى وسيلة لإعادة إنتاج الامتياز نفسه الذي أراد القانون الحدّ منه.

خمس سنوات غير قابلة للتجديد

لذلك، عندما نصّ المشرّع أنْ ولاية الرئيس خمس سنوات غير قابلة للتجديد إِلَّا بعد انقضاء ولاية كاملة، لم يكن ينتقص من حقّ أي رئيس، بل لضمان الفصل بين سلطة المنصب والرغبة في الاحتفاظ به. فالديمقراطية لا تقتصر على فتح باب الترشّح، بل تقتضي أيضاً توفير شروط متكافئة بين المتنافسين وعدم السماح لأي مرشح بالاستفادة من النفوذ الذي يمنحه له موقعه الحالي.

أما الحديث عن مصلحة الجامعة والطلاب، فيفرض طرح سؤال بديهي: هل الأولوية اليوم في الجامعة اللبنانية هي تعديل مادة قانونية تتعلق بمنصب الرئيس، أم معالجة الملفات المتراكمة التي بقيت عالقة ولم يجد لها الرئيس الحالي حلاً طوال خمس سنوات من ولايته؟

أولويات مشاكل الجامعة

تشكيل مجلس الجامعة لم ولن يُنجز، بعدما جاءت انتخابات العمداء في عدد من الكليات وسط اعتراضات واسعة على آلياتها القانونية والإدارية. وقد جرت هذه الانتخابات في ظل مجالس وحدات يشوب بعضها خلل قانوني، وهو أمر له تأثير مباشر على التوازنات الانتخابية. وفي بعض الحالات، كما في كلية الطب، وصل الأمر إلى وجود مرشح وحيد فعلياً، ما أفقد العملية الانتخابية معناها التنافسي الحقيقي. ولا يخفى على أحد التدخل المباشر لرئيس الجامعة الحالي في انتخابات العمداء…

أما ملفّ التفرغ، الذي يُطرح اليوم وكأنّه مسؤولية الآخرين، فإن جزءاً أساسياً من مسؤوليته يقع على الإدارة الحالية نفسها. فالرئيس الحالي كان شريكاً في إدارة الجامعة سنوات طويلة، سواء من موقع العمادة أو من موقع الرئاسة. وخلال تلك المرحلة توسّع التعاقد بصورة كبيرة استجابةً لاعتبارات سياسية، ما أدى إلى تضخم الملف ووصول عدد المتعاقدين المطروحين إلى نحو 1690 متعاقداً، رغم تراجع أعداد الطلاب مقارنة بسنوات سابقة. وهكذا تحوّل ملف كان يحتاج إلى معالجة أكاديمية وإدارية مدروسة إلى أزمة معقّدة يصعب إيجاد حل عادل لها.

ترلجع الجامعة 111 مرتبة

أما بالنسبة إلى المشروع الذي يُقال إنه لم يكتمل ويحتاج إلى ولاية جديدة لاستكماله، فإن معيار النجاح يبقى النتائج. والنتائج تشير إلى أن الجامعة اللبنانية سجّلت في آخر تصنيف QS تراجعاً كبيراً بلغ 111 مرتبة.
والأكثر إيلاماً أنّ هذا التراجع لم يقتصر على التصنيف العالمي، بل انعكس أيضاً على موقع الجامعة محلياً. فالجامعة اللبنانية التي كانت تحتل المرتبة الثانية بين الجامعات اللبنانية أصبحت اليوم في المرتبة الرابعة، فيما تمكنت جامعات خاصة من تحسين مواقعها وتعزيز حضورها الأكاديمي.
استحضار هذه الأرقام ليس هدفه التقليل من قيمة الجامعة أو من جهود أساتذتها وطلابها، بل على العكس تماماً، من منطلق الإيمان بهذه المؤسسة والشعور بالألم عندما تتراجع. فالجامعة اللبنانية تستحق أن تكون في موقع المنافسة والتقدم، لا أن تتراجع محلياً ودولياً فيما ينصرف النقاش العام إلى تعديل مادة قانونية تتيح إعادة ترشّح الرئيس الحالي. وإذا كانت الحصيلة بعد سنوات من الإدارة هي هذا التراجع في المؤشرات الأكاديمية والمؤسساتية، فمن الطبيعي أن يُطرح السؤال: هل المطلوب تقييم التجربة واستخلاص العبر منها، أم تعديل القانون لإعطائها فرصة إضافية؟

ورشة إصلاح مطلوبة

تحتاج الجامعة اللبنانية اليوم إلى ورشة إصلاح شاملة لتحديث قوانينها وأنظمتها وتعزيز استقلاليتها واستعادة دورها الوطني والأكاديمي. أما حصر النقاش العام بتعديل مادة واحدة قبل انتهاء الولاية مباشرة، بحيث يصبح المستفيد الأول منها معروفاً سلفاً، فلا يخدم صورة المؤسسة ولا يعكس الأولويات الحقيقية للجامعة.

القضية ليست قضية شخص، أياً يكن هذا الشخص، بل قضية احترام فلسفة القانون. والمؤسسات القوية لا تُبنى على تعديل النصوص كلما اصطدمت بطموحات شاغلي المناصب، بل على احترام القواعد التي وُضعت مسبقاً للجميع دون استثناء.

 

إقرأ أيضاً: بدران يُحصي أصوات النوّاب… وطلّاب الجنوب يُحصون شهداءهم