تجدّد الحديث عن “المناطق التجريبية” في جنوب لبنان؟ التي جاء بها وفد التفاوض اللبناني مع إسرائيل من طاولة واشنطن بقيادة السفير سيمون كرم. وهي تعني تحرير منطقة أو بلدة في جنوب لبنان، وخروج الجيش الإسرائيلي منها، ودخول الجيش اللبناني. وإذا نجحت التجربة تتوسّع إلى قرى وبلدات أخرى… تلك التي رفضها حزب الله والرئيس نبيه برّي… فهل سيعود لبنان إليها بعد التصعيد الأخير؟ وكيف ستحدّد هذه التجربة شكل الدولة اللبنانية وليس مصير الجنوب فقط؟
كثّفت الطائرات الإسرائيلية غاراتها على جنوب لبنان، ووسّعت دائرة عملياتها العسكرية بصورة لافتة خلال الأيام الأخيرة. ليرتفع عدد الخروقات الإسرائيلية إلى المئات… وعاد إلى الواجهة الحديث عن جلسة المفاوضات التي ستعقد في واشنطن بين لبنان وإسرائيل بوصفها هي التي توقف إطلاق النار وليس الطلب الإيراني.
وما خرجت به “طاولة واشنطن” بقيادة السفير سيمون كرم هو صيغة “المناطق التجريبية”. أي أن تخرج إسرائيل من منطقة، فيدخلها جيش لبنان. وتتوسّع التجربة مع نجاحها. على أن يتبع الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من المناطق المحدّدة تولّي الجيش اللبناني مسؤوليتها حصراً.
من يملك حق التفاوض باسم لبنان؟
“المناطق التجريبية” ليست نتيجة للحرب فقط، بل جزء من المعركة السياسية التي تدور بالتوازي معها.
فالطرح القائم على تسليم مناطق محدّدة للجيش اللبناني لا يهدف فقط إلى اختبار ترتيبات أمنية جديدة، بل يختبر سؤالاً سياسياً أكبر: هل يمكن للمرة الأولى منذ سنوات طويلة إنشاء مسار لبناني مستقلّ عن المسار الإيراني؟
جوهر النقاش لم يعد يدور حول عدد النقاط التي قد تنسحب منها إسرائيل أو حجم انتشار الجيش، بل حول الجهة التي تملك حقّ التفاوض باسم لبنان: الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، أم شبكة التفاوض الإقليمي التي تديرها طهران ضمن بازارها الأوسع مع الولايات المتحدة؟
الغارات الإسرائيلية لفصل لبنان عن إيران
من هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم جانب من التصعيد العسكري الإسرائيلي في الأسابيع الأخيرة. فبعيداً عن الأسباب الميدانية المباشرة، يصعب فصل تكثيف الغارات عن المسار التفاوضي الموازي الذي يدور بين واشنطن وطهران. إذ يبدو أنّ إسرائيل تسعى إلى فرض واقع ميداني يمنع إدراج الملف اللبناني ضمن أي سلّة تفاوضية أوسع بين إيران وأميركا. ويحول دون استخدام الجنوب كورقة مقايضة في مفاوضات تتناول البرنامج النووي الإيراني أو العقوبات أو النفوذ الإقليمي.
مسار لبناني مستقل أم ترتيب أمني؟
هكذا يمكن فهم الإصرار الإسرائيلي على الدفع نحو ترتيبات من نوع “المناطق التجريبية”. فهذه الصيغة، إذا نجحت، لا تعني فقط انسحاباً إسرائيلياً من بقعة جغرافية محدّدة، بل تؤسس عملياً لمسار تفاوضي مستقلّ عنوانه الدولة اللبنانية والجيش اللبناني، لا المفاوضات الإيرانية الأمريكية.
بالنسبة إلى إسرائيل، لا يتعلّق الأمر فقط بأمن الحدود أو إبعاد خطر عسكري مباشر، بل بإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها للمرّة الأولى منذ عقود. فصانع القرار الإسرائيلي ينظر إلى حزب الله بوصفه الحلقة الأكثر تطوراً وخطورة ضمن شبكة النفوذ الإيرانية، والأداة التي منحت طهران قدرة استثنائية على التأثير في توازنات المشرق العربي والضغط على إسرائيل من خاصرتها الشمالية. لذا تبدو “المناطق التجريبية” بالنسبة إلى تل أبيب أكثر من مجرد ترتيبات أمنية. بل هي محاولة لفصل المسار اللبناني عن النفوذ الإيراني ومنع استمرار جنوب لبنان وشمال إسرائيل كورقة إقليمية تستخدمها طهران عند الحاجة. وأن يصير جنوب لبنان ملفاً لبنانياً داخلياً تديره الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية ضمن منظومة المصالح اللبناني لا الإيرانية الإقليمية والدولية.
واشنطن: تمايز في الوسيلة لا في الهدف
هذه المقاربة ليست بعيدة عن جزء من التفكير السائد داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فالمواقف الصادرة عن الرئيس دونالد ترامب خلال الأشهر الأخيرة عكست تمايزاً بين الاعتراض على كلفة الحرب واستمرار الدمار وسقوط المدنيين من جهة، وبين التمسّك بهدف تقليص نفوذ حزب الله وتجريده من قدراته العسكرية خارج إطار الدولة من جهة أخرى. وبمعنى آخر، قد يكون الخلاف حول الوسيلة، لكنّه لا يبدو خلافاً حول الغاية بين إسرائيل وأميركا.
سوريا الجديدة وتراجع العمق الإقليمي للحزب
هذه بوابة التصريحات الأمريكية المتعلقة بسوريا. فالتغيير الذي شهدته البلاد بعد وصول أحمد الشرع إلى السلطة أعاد رسم البيئة الاستراتيجية التي عمل فيها حزب الله لعقود. والمشروع الإيراني الذي كان يستند إلى عمق سوري مفتوح يواجه اليوم سلطة تعلن رفض تحويل أراضيها إلى ممرّ لنفوذ طهران أو منصة لإدارة صراعاتها الإقليمية.
ولهذا السبب طلب ترامب مراراً، وعلناً، من الرئيس الشرع أن يشارك في نزع سلاح حزب الله داخل لبنان. وظلّ الشرع حتّى اليوم يبعث إشارات رفض، مدعوماً بظهير تركي وعربي يرفض غرق الشرع ونظامه الوليد في المستنقع اللبناني الذي أغرق النظام الأسدي السابق مراراً وتكراراً…
العقدة الإيرانية: حزب الله ليس حليفاً عادياً
لكن العقدة في أنّه خلافاً لمعظم حلفاء إيران في المنطقة، يحتلّ حزب الله موقعاً استثنائياً داخل بنية مشروع إيران الإقليمي. فالعلاقة لا تقوم فقط على المصالح أو التعاون العسكري، بل على ارتباط عقائدي وفقهي مباشر بولاية الفقيه، ما جعله بالنسبة إلى طهران التجربة الأكثر اكتمالاً في مشروع النفوذ الإيراني خارج الحدود. لذلك تبدو أيّ محاولة لعزل لبنان عن التفاوض الإيراني أشبه بمحاولة انتزاع الورقة الأكثر حساسية من يدها. أو ربّما تلاعباً بمعنى النظام الإيراني نفسه.
يفسّر ذلك جانباً من النقاش المتصاعد داخل إيران نفسها. فبعيداً عن الخطاب الرسمي، تظهر بين الحين والآخر أصوات سياسية وإعلامية تتساءل عن جدوى الأكلاف الهائلة التي ترتبت على مشروع النفوذ الإقليمي، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصادية ومعيشية متزايدة.
في المقابل، لا يزال جزء كبير من المؤسسة السياسية والأمنية الإيرانية يعتبر أنّ خسارة حزب الله أو تحييده ستشكل ضربة استراتيجية تمس مباشرة بمكانة إيران الإقليمية وقدرتها على الردع، بل إنّها تمس مسألة أمن قومي بالغة الحساسية بالنسبة إلى طهران.
من هنا تصريح رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف متوجّهاً إلى الإيرانيين بالقول: “حزب الله قدّم 4 آلاف شهيد، أكثر مما قدّمت إيران. وقاتل 104 أيام، نحن قاتلنا 38 يوماً”. وأكّد أنّه يتحدّث “مع الذين هتفوا في الشوارع: لا غزّة ولا لبنان”.
بعبدا والسراي: فرصة لاستعادة القرار السيادي
وبينما تنظر القوى المؤيدة لخيار الدولة إلى “المناطق التجريبية” باعتبارها فرصة لإعادة تثبيت احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم، يرى آخرون فيها محاولة لإعادة صياغة التوازنات الداخلية والإقليمية تحت ضغط الحرب.
أمّا لبنان الرسمي، بقيادة رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، فلا يخفي رغبته في استثمار اللحظة الراهنة لإعادة تثبيت مرجعية الدولة في الملفات السيادية، مستفيداً من تقاطع نادر بين الإرادة اللبنانية والدعم العربي والغربي، ومن التحولات التي شهدتها سوريا والمنطقة خلال العامين الأخيرين.
وسط هذه الحسابات كلها، لا تبدو “المناطق التجريبية” مجرد ترتيبات حدودية أو آلية أمنية انتقالية، بل اختبار سياسي وجيوسياسي واسع النطاق لمعرفة ما إذا كان لبنان يتجه فعلاً نحو مسار مستقل تقوده الدولة ومؤسساتها، أم أنّ الجنوب سيبقى جزءاً من شبكة الصراعات الإقليمية التي تتجاوز حدوده بكثير.
ولهذا السبب يترافق الحديث عنها مع أعنف الضغوط العسكرية وأشد التجاذبات الدبلوماسية. فالمعركة لم تعد تدور حول قرية أو تلّة أو نقطة حدودية، بل حول الجهة التي ستملك حق التفاوض باسم لبنان في السنوات المقبلة. وبين الغارات التي تهزّ الجنوب والطاولات التي تُعد في العواصم الدولية، يبقى السؤال: هل بدأ فعلاً فصل لبنان عن الطاولة الإيرانية أم أن المنطقة ما زالت بعيدة عن تلك اللحظة؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحدّد مستقبل الحدود الجنوبية فحسب، بل قد تحدّد شكل الدولة اللبنانية وموقعها ودورها في الشرق الأوسط لسنوات طويلة مقبلة.
إقرأ أيضاً: البيئة الحاضنة: الضحية التي تحرس سجّانها