معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

ابراهيم الأمين: فنّ شتم الأصدقاء.. وتبجيل الأوصياء الحقيقين

المساعدة البصرية: حجم الخط

يكتب إبراهيم الأمين عما يقول إنه وصاية سعودية على لبنان وكأنه يكتشف الذرّة، وكأن اللبنانيين لم يعيشوا عقوداً كاملة تحت وصاية نظام الأسد، ولم يشاهدوا لاحقاً إنتقال مركز القرار من دمشق إلى طهران. الفارق الوحيد أن الوصي تبدّل، أما منطق التبعية نفسه فبقي حاضراً، وإن تغيّرت الشعارات والأسماء… والسعودية لم تكن يوماً سوى صديق وداعم دون أن تطلب شيئاً لنفسها.

 

يحدّثنا ناشر جريدة “الأخبار” ابرهيم الأمين عن “الدونية المستحكمة” لدى الطبقة السياسية اللبنانية، ويصف بدقة كيف كان السياسيون يقصدون عنجر ودمشق طلباً للرضى والموافقة. وصف صحيح، لكنه يتوقف عند نصف الحقيقة. فالرجل يتجاهل أن لبنان انتقل من وصاية سورية مباشرة إلى نفوذ إيراني مارسه حزب الله على الدولة ومؤسساتها، من السلاح الخارج عن الشرعية إلى القرار العسكري المنفرد، وصولاً إلى فرض توازنات سياسية لا تستند إلى منطق الدولة.

السعودية عامل استقرار

يهاجم الأمين اليوم أي دور خارجي لا ينسجم مع خياراته السياسية، ويضع كل أشكال التواصل العربي والدولي في خانة التدخل. لكن الفارق الجوهري الذي يتجاهله هو أن نظامي الأسد والخميني تعاملا مع لبنان بوصفه ساحة نفوذ وورقة تفاوض وميداناً لصراعاتهما الإقليمية، فيما كانت السعودية، مهما اختلف بعض اللبنانيين مع سياساتها أو حول أدوارها، تتعامل مع لبنان كدولة عربية صديقة تدعمه اقتصادياً وسياسياً من دون أن تمتلك ميليشيا مسلحة تفرض إرادتها على اللبنانيين.
مقال الأمين الذي هاجم الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان أمس يحمل ملاحظة صحيحة واحدة: أن جزءاً كبيراً من الطبقة السياسية اللبنانية اعتاد انتظار الإشارة الخارجية. لكن الأمين لا يملك الكثير من المصداقية في تقديم هذا النقد، لأن المشروع الذي دافع عنه لعقود كان شريكاً أساسياً في إضعاف الدولة وإفراغ مؤسساتها من قدرتها على اتخاذ القرار المستقل. فحين يُصادر قرار الحرب والسلم من الدولة، وحين يصبح السلاح فوق الدستور، لا تُبنى سيادة وطنية، بل تُبنى وصاية جديدة، مهما اختلف اسم الوصي أو الراية التي يرفعها.

هل الأصدقاء مشكلة؟

المشكلة ليست في أن يكون للبنان أصدقاء، بل في أن يكون له أوصياء. ونظاما الأسد والخميني تصرّفا كوصيين على لبنان، أما السعودية فبقيت، بالنسبة للدولة اللبنانية ولمعظم اللبنانيين، دولة صديقة يمكن الاتفاق معها أو الاختلاف، لكنها لم تدّعِ يوماً حق الوصاية على القرار اللبناني. ولا دمّرت أو خرّبت. بل حين تغضب تبتعد لا أكثر.
يتحدث الأمين عن مسعى “نزع شرعية المقاومة” كما لو أن هذه المقاومة كيان مقدّس خارج النقد والمساءلة. يتجاهل أن حزب الله أدخل لبنان حرباً في أكتوبر 2023 دون أي تفويض شعبي أو حكومي، وأن جنوب لبنان الذي يدّعي الأمين الحرص عليه دفع الثمن الأفدح بين ركام بيوته وأشلاء أبنائه وموجات نزوحه. يتحدث عن “تفكيك مؤسسات المقاومة الصحية والإجتماعية” وكأن دولة تتنازل عن وظائفها الأساسية لصالح ميليشيا هو نموذج ينبغي الدفاع عنه، لا كارثة ينبغي تداركها.

السعودية مصدر خطر؟

أما الجزء الذي يكشف المنطق المقلوب في مقاله، فهو ختامه الذي يجعل السعودية “مصدر الخطر الأكبر على مستقبل لبنان”. السعودية التي كانت في طليعة من ضغطوا لوقف الحرب عن الجنوب، والتي فتحت أسواقها للبنانيين وأسواق الخليج لأبنائهم حين ضاقت بهم السبل، والتي لا يقوم لبنان اقتصادياً ولا سياسياً بمعزل عن عمقه العربي الذي هي عموده الفقري. العلاقة مع الرياض ليست وصاية، بل ضمانة. ضمانة من دونها يبقى لبنان معلقاً بين مشروع إيراني لا يرى فيه إلا ورقة ضغط إقليمية، وإسرائيل لا تريده إلا ساحة مفتوحة.
لبنان بلد بلا نفط ولا عمق جغرافي ولا ثقل إستراتيجي يحمي نفسه به. ما يحميه هو انتماؤه العربي وعلاقاته مع محيطه. وقطع هذا الخيط، أو تصوير من يمسكه على أنه عدو، ليس جرأة فكرية بل انتحار سياسي مبرمَج. الخطر الحقيقي على لبنان لا يأتي من الدولة التي ضغطت لوقف الحرب، بل من السلاح الذي أشعلها. ليس من العمق العربي الذي ينتمي إليه لبنان تاريخاً وجغرافية واقتصاداً، بل من المشروع الذي يريد اقتلاعه من هذا العمق ورميه في أحضان محور لم يجنِ لبنان منه سوى الدمار.

يُحسن الأمين الكتابة. هذا ما يجعل مقالاته أكثر خطورة، لأنها تُلبس الخضوع ثوب الفطنة، والتبعية قميص الرفض، والانتماء لمحور مدمّر لغةَ السيادة. وقرّاؤه لا يرون فيه ما يراه المحايد: رجل يُسوّغ نظاماً أفلس لبنان وأهلكه، ثم يكتب ليشتم الأصدقاء الدائمين لهذا الوطن.
لبنان لا ينقصه من يُسوّد الصفحات في انتقاد عواصم بعينها. ينقصه من يجرؤ على قول الحقيقة كاملة غير منقوصة: أن السلاح خارج الدولة هو أصل البلاء، وأن المقاومة التي لا تخضع لرقابة شعبها ليست مقاومة بل سلطة مضافة فوق السلطة، وأن لبنان لن يُبنى من دون عمقه العربي مهما حاول بعضهم تصوير هذا العمق عدواً.

 

إقرأ أيضاً: ابراهيم الأمين: يساري يسخر من المزارعين ويقدّس الوليّ الفقيه