هناك خطابات تنهار لأن الوقائع تغيّرت، وهناك خطابات تنهار لأن أصحابها ينسفونها بأيديهم. خطاب الشيخ نعيم قاسم ينتمي إلى الفئة الثانية؛ فالرجل خرج ليصف الاتفاق الإطاري اللبناني-الإسرائيلي بأنه “مذلّة” و”عار” و”تفريط بالسيادة وتشريع للاحتلال”، بينما قدّم المذكرة الأميركية-الإيرانية على أنها إنجاز تاريخي وفّر للبنان الضمانات والسيادة.
لبنان غائباً عن طاولته
تكفي مقارنة بسيطة بين الاتفاقين حتى يتبيّن أن المشكلة لا تكمن في النصوص، وإنما في المعيار الذي يُقاس به كل اتفاق. المعيار يتبدّل وفق هوية المفاوض، لا وفق مصلحة لبنان.
في المذكرة الأميركية-الإيرانية، لم يكن لبنان دولةً تفاوض، ولم يكن شريكاً في القرار، ولم يجلس ممثّل واحد عن الدولة اللبنانية على الطاولة. واشنطن وطهران ناقشتا الحرب الدائرة على الأرض اللبنانية، وتوصّلتا إلى تفاهمات تشمل لبنان، ثم خرج من يقول إن هذه ورقة قوة للبنان.
أيّ ورقة قوة هذه، إذا كان مصير اللبنانيين يُناقش في عاصمة أجنبية بين دولتين أجنبيتين؟ وأيّ سيادة تتحقق عندما يصبح لبنان بنداً في تفاهم إقليمي لا يملك حق الاعتراض عليه؟
مَن يتفاوض، لا كيف يتفاوض
ثم ينتقل الشيخ نعيم قاسم إلى مهاجمة الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي لأنه جاء عبر مفاوضات مباشرة، وهنا يبدأ التناقض الحقيقي: إذا كانت المفاوضات المباشرة مع العدو جريمة، فكيف أصبح التفاوض الأميركي مع إسرائيل لعقود خياراً مشروعاً؟ وكيف أصبح التفاوض الإيراني غير المباشر مع الولايات المتحدة مقبولاً، بينما يتحوّل تفاوض الدولة اللبنانية لاستعادة أرضها إلى خيانة؟
الاعتراض هنا لم يعد على مبدأ التفاوض، وإنما على هوية من يتولّاه.
السيادة لا تُقاس بالشعارات
وحين يقول إن السلطة اللبنانية فرّطت بسيادة البلاد، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: متى كانت السيادة حاضرة بينما كان قرار الحرب والسلم يُتّخذ خارج مؤسسات الدولة؟ ومتى امتلكت الحكومة اللبنانية حق تقرير مصيرها بينما كان حزب الله يُعلن مراراً أن جبهة لبنان جزء من معركة المحور؟
السيادة لا تُقاس بالشعارات، وإنما بالجهة التي تحتكر القرار الوطني.
إتّهام يحتاج إلى نص، لا إلى خطابة
ثم يذهب الشيخ قاسم أبعد من ذلك، فيزعم أن الاتفاق الإطاري يُشرّع الاحتلال وقد يُفضي إلى ضم الأراضي اللبنانية. هذا الاتهام يحتاج إلى نص، لا إلى خطابة.
فالضم عملٌ قانوني تُعلنه الدولة المحتلة وتفرضه على الأرض. أما الاتفاق، فيتحدث عن آلية انسحاب وترتيبات أمنية مرتبطة بالتنفيذ. الاعتراض على شروط التنفيذ حقٌّ سياسي مشروع، أما الادعاء بأن الاتفاق يمنح إسرائيل السيادة على الأراضي اللبنانية، فادّعاء لا يجد ما يسنده في النصوص.
السلاح يحمي؟ فلماذا هذه النتائج؟
ويقول أيضاً إن ربط الانسحاب بنزع سلاح المقاومة تجاوزٌ لكل الخطوط الحمراء. لكن الوقائع تفرض سؤالاً لا مفرّ منه: إذا كان السلاح وحده يحمي الأرض، فلماذا بقي الاحتلال بعد الحرب؟ وإذا كان يردع إسرائيل، فلماذا توسّع القتال إلى عمق لبنان؟ وإذا كان يمنع العدوان، فلماذا دُمّرت القرى ونزح مئات الآلاف، ثم عاد لبنان يبحث عن اتفاق لإعادة الجيش إلى الجنوب واستعادة المناطق المحتلة؟
هذه ليست أسئلة سياسية، وإنما حصيلة سنوات كاملة من النتائج.
“الشيطان الأكبر” شريكاً مقبولاً
المفارقة الأكثر إثارةً أن الشيخ نعيم قاسم امتدح مذكرة تفاهم وُقّعت بين الولايات المتحدة وإيران، أي بين الطرف الذي يصفه حزب الله منذ عقود بـ”الشيطان الأكبر” وبين الجمهورية الإسلامية. هناك لم تصبح المفاوضات عاراً، ولم تتحوّل التفاهمات إلى استسلام، ولم تُرفع شعارات رفض التواصل مع الخصم.
لكن عندما جلست الدولة اللبنانية لتدافع عن أرضها وحدودها، انقلبت المفردات دفعةً واحدة إلى خيانة ومذلّة وتنازل. الفارق الوحيد أن المفاوض هذه المرة هو الدولة اللبنانية، لا إيران.
الغياب سيادةً والحضور خيانة
وهنا تسقط السردية كاملة.
فالسيادة التي يدافع عنها الشيخ نعيم قاسم تقبل أن يقرر الأميركي والإيراني مصير لبنان، وترفض أن تقرر الدولة اللبنانية مصير نفسها. والتفاوض يصبح بطولةً عندما يخدم مشروع المحور، ويتحوّل إلى خيانة عندما تستعيد الدولة دورها.
أما الادعاء بأن السلطة شرّعت الاحتلال، فهو يتجاهل حقيقةً أكثر قسوة: الاحتلال توسّع بعد الحرب، واللبنانيون خسروا بيوتهم وأرضهم تحت عنوان “الإسناد”، ثم أُريد منهم أن يُقنعوا أنفسهم بأن المشكلة بدأت مع الاتفاق الذي يسعى إلى إنهاء آثار تلك الحرب.
بين الاتفاقين سقطت كل الشعارات. في الأول كان لبنان غائباً عن الطاولة، وفي الثاني عاد إليها باسمه. ومن يعتبر الغياب سيادةً والحضور خيانة، لا يعاني أزمةً في الاتفاقات، بل أزمةً في تعريف الوطن نفسه.
اقرأ أيضاً: برلماني وشيخ إيراني: شيعة لبنان يقاتلون دفاعاً عن طهران