معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

لبنان “مركزاً اقتصادياً للشرق المتوسط”: رؤية شاملة… وأسئلة معلّقة

المساعدة البصرية: حجم الخط

 

يقدّم الباحث المتخصّص في الشأن الصيني الدكتور وائل خليل ياسين ما يصفه بـ”رؤية اقتصادية شاملة لإعادة هيكلة الاقتصاد اللبناني”، تطمح إلى تحويل لبنان من اقتصاد ريعي إلى مركز اقتصادي متكامل للشرق المتوسط. غير أنّ الرؤية تفتقر إلى الأرقام والتكاليف والجداول الزمنية، وتُغفل تحديد مصادر التمويل، فضلاً عن الحديث عن الشراكة الصينية بلا تفاصيل، ودون الإشارة إلى صعوبات التطبيق في دولة تنهشها الحروب والفساد والخلافات السياسية.
هنا النصّ كما أعدّه الباحث.

 

 

منذ عقود، اعتمد الاقتصاد اللبناني بصورة أساسية على قطاع الخدمات والمصارف والتجارة التقليدية، في ظل تراجع القطاعات الإنتاجية الصناعية والزراعية، وتفاقم الاختلالات البنيوية التي أدت إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد، وتراجع القدرة التنافسية، وارتفاع معدلات البطالة والهجرة. ومع الانهيار المالي والاقتصادي الذي شهدته البلاد، برزت الحاجة إلى إعادة النظر بالنموذج الاقتصادي القائم، والبحث عن رؤية جديدة قادرة على إعادة بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية وتنموية مستدامة.
في هذا السياق، تطرح الرؤية الاقتصادية الشاملة لوائل خليل ياسين، رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية، تصوراً متكاملاً يهدف إلى تحويل لبنان من اقتصاد ريعي محدود إلى «المركز الاقتصادي المتكامل للشرق المتوسطي»، عبر إعادة توزيع الأدوار الاقتصادية بين المناطق اللبنانية، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الإنتاج الصناعي والزراعي، والاستفادة من الموقع الجغرافي للبنان في التجارة والخدمات اللوجستية، والانفتاح على الشراكات الدولية.

أولاً: مفهوم المركز الاقتصادي المتكامل للشرق المتوسطي
تنطلق هذه الرؤية من اعتبار أن لبنان لا يجب أن يكتفي بدور الاقتصاد الخدمي التقليدي، بل ينبغي أن يتحول إلى مركز اقتصادي متكامل يجمع بين الصناعة والزراعة والخدمات اللوجستية والتجارة والتكنولوجيا والسياحة، بحيث تتكامل مختلف القطاعات ضمن منظومة اقتصادية واحدة.
ويستند هذا المفهوم إلى الموقع الجغرافي للبنان عند ملتقى آسيا وأوروبا والشرق العربي، ما يمنحه إمكانات كبيرة ليكون نقطة عبور وتبادل تجاري ومركزاً لإدارة الأعمال والخدمات والتصنيع وإعادة التصدير.
كما تقوم هذه الرؤية على مبدأ توزيع الأدوار الاقتصادية بين المناطق اللبنانية، بحيث تتكامل فيما بينها بدلاً من التنافس العشوائي، بما يحقق تنمية متوازنة ويخفف الضغط عن العاصمة والمناطق الساحلية.

ثانياً: البنية التحتية الوطنية
تشكل البنية التحتية الركيزة الأساسية لهذه الرؤية، حيث يجري التركيز على تطوير المرافئ والمطارات وشبكات النقل والسكك الحديدية.
ويبرز مشروع تطوير ميناء طرابلس وتوسيعه ليصبح مركزاً لوجستياً رئيسياً على شرق المتوسط، بالتوازي مع تحديث مرفأ بيروت ليؤدي دوراً تكميلياً في الخدمات اللوجستية والتجارية.
كما تتضمن الرؤية تطوير مطار القليعات وتحويله إلى مطار مدني وتجاري، إلى جانب إعادة تأهيل مطار رياق وتحويله إلى مطار مدني متخصص بالنقل الجوي والشحن، بما يساهم في تعزيز الحركة التجارية والاقتصادية.
أما على صعيد النقل البري، فتقترح الرؤية إعادة إحياء شبكة السكك الحديدية وربطها بالمرافئ والمطارات والمراكز الصناعية واللوجستية، بما يخفف من كلفة النقل ويساهم في تحسين كفاءة حركة البضائع.
ومن أبرز المشاريع المطروحة مشروع نفق بيروت–البقاع، الذي يربط العاصمة بمنطقة البقاع عبر ممر سريع يختصر المسافات والزمن، ويسمح بإنشاء خط سكك حديدية حديث يربط مرفأ بيروت بالميناء الجاف في البقاع. ويهدف هذا المشروع إلى تحويل البقاع إلى امتداد لوجستي طبيعي للمرافئ اللبنانية، وتخفيف الضغط عن الساحل، وإيجاد بنية نقل حديثة تواكب متطلبات التجارة الإقليمية.

ثالثاً: الميناء الجاف في البقاع
يعتبر مشروع الميناء الجاف في البقاع أحد أهم المشاريع المركزية في الرؤية الاقتصادية، إذ يقوم على إنشاء مركز لوجستي ضخم يرتبط بمرفأ بيروت وميناء طرابلس بواسطة السكك الحديدية وشبكات النقل الحديثة.
ويتضمن المشروع مناطق تخزين للحاويات والبضائع، ومراكز جمركية، ومستودعات تبريد، ومراكز لإعادة التوضيب والتغليف، إضافة إلى مناطق صناعية ومراكز للتجارة الإلكترونية.
ويهدف هذا المشروع إلى تخفيف الضغط عن المرافئ البحرية، وتحويل البقاع إلى منصة داخلية لإعادة التصدير والتوزيع نحو الأسواق العربية والإقليمية، وخلق فرص عمل جديدة، وتشجيع الصناعات المرتبطة بالنقل والخدمات اللوجستية.
كما يشكل الميناء الجاف قاعدة لتطوير الاقتصاد الرقمي، من خلال إقامة مخازن ذكية ومراكز متخصصة بالتجارة الإلكترونية، بما يسمح بتحويل لبنان إلى منصة إقليمية للتوزيع وإعادة التصدير.

رابعاً: إعادة توزيع الاقتصاد جغرافياً
تعتمد الرؤية على توزيع الأدوار الاقتصادية بين المناطق اللبنانية.
فطرابلس تصبح مركزاً بحرياً ولوجستياً وصناعياً، فيما يتحول البقاع إلى مركز للإنتاج الزراعي والصناعي والخدمات اللوجستية. أما بعلبك–الهرمل فتحتضن مناطق صناعية متخصصة بصناعة تجميع السيارات وصناعة الدواليب والآلات الزراعية.
وتحافظ بيروت على دورها كمركز للشركات والأعمال والخدمات المتخصصة، بينما يتم تعزيز السياحة البيئية والخدمات المحلية في جبل لبنان، وتنمية الجنوب وعكار عبر المشاريع الزراعية والصناعات المرتبطة بها.

خامساً: الصناعة والزراعة والتجارة الإلكترونية
تدعو الرؤية إلى إنشاء مناطق صناعية متخصصة بالصناعات الغذائية والزراعية، وإنشاء مصانع لإعادة التوضيب والتصنيع الزراعي، إضافة إلى إقامة مناطق صناعية حديثة تعتمد على الاقتصاد الدائري وإعادة التدوير وفق مبدأ «صفر طمر».
كما تشمل الرؤية إنشاء مراكز للتجارة الإلكترونية ومخازن ذكية ومعاهد تدريب متخصصة، بما يواكب التحولات العالمية في الاقتصاد الرقمي وسلاسل التوريد الحديثة.
وفي المجال الزراعي، يتم التركيز على الزراعة الذكية والأمن الغذائي، وتطوير الصناعات الزراعية، وإنشاء مناطق متخصصة بزراعة الأعشاب الطبية في عكار والبقاع وجبل لبنان والجنوب، بهدف تصديرها إلى الأسواق العالمية، ولا سيما السوق الصينية.

سادساً: مشروع معرض رشيد كرامي الدولي
تقترح الرؤية إعادة إحياء معرض رشيد كرامي الدولي في طرابلس وتحويله إلى منصة دائمة للمعارض المتخصصة، ومركز إقليمي لعرض المنتجات والبضائع الدولية.
ويهدف المشروع إلى استقطاب الشركات والمستثمرين ورجال الأعمال من مختلف الدول، وتنشيط الحركة السياحية والاقتصادية، وتعزيز موقع طرابلس كمركز للأعمال والمعارض والخدمات.

سابعاً: الاقتصاد البحري ومشروع نهر الليطاني
تشمل الرؤية تطوير الاقتصاد البحري عبر إنشاء شركات مساهمة لصيد الأسماك وصناعتها، بحيث يمتلك الصيادون نسبة أساسية من هذه الشركات، بما يساهم في تطوير قطاع الصيد وتحسين أوضاع العاملين فيه.
كما تتضمن إنشاء شبكة نقل بحري داخلي بواسطة Taxi Boats ومحطات بحرية منظمة على طول الساحل اللبناني، إضافة إلى فتح خطوط بحرية لنقل الركاب والسياح باتجاه قبرص وتركيا وسوريا ومصر.
أما مشروع نهر الليطاني، فيمثل أحد أهم المشاريع التنموية المقترحة، إذ يهدف إلى إعادة تأهيل النهر ومعالجة التلوث والصرف الصحي، وتطوير شبكات الري والزراعة الحديثة، وإنشاء بحيرات اصطناعية ومنتجعات بيئية ومسارات للمشاة ومشاريع سياحية، إلى جانب دعم الصناعات الغذائية والطاقة المتجددة والتنمية الريفية، وتحويل حوض الليطاني إلى محور تنموي متكامل يربط الاقتصاد الزراعي بالسياحة والصناعة والخدمات.

ثامناً: الشراكات اللبنانية–الصينية–الدولية
تعتمد الرؤية على تعزيز الشراكات الدولية، ولا سيما مع الصين، بهدف الاستفادة من الخبرات التكنولوجية والاستثمارات ونقل المعرفة.
كما تدعو إلى إقامة شراكات ثلاثية تجمع بين القطاع الخاص اللبناني والشركات الأجنبية والمؤسسات الدولية، بما يسمح بتطوير الصناعات الحديثة، وتوسيع الأسواق، وتشجيع البحث العلمي والتدريب والتطوير.

إعادة تكوين اقتصاد إنتاجي
لا تنظر هذه الرؤية إلى المشاريع المطروحة باعتبارها مبادرات منفصلة، بل تعتبرها أجزاء مترابطة ضمن نموذج اقتصادي متكامل يهدف إلى إعادة بناء الاقتصاد اللبناني وتحويله إلى مركز اقتصادي متكامل للشرق المتوسطي.
فالتكامل بين المرافئ والمطارات والسكك الحديدية والميناء الجاف، وبين الصناعة والزراعة والتجارة الإلكترونية والاقتصاد البحري، إضافة إلى التنمية البيئية والشراكات الدولية، يشكل الأساس لإعادة تكوين اقتصاد إنتاجي قادر على تحقيق النمو المستدام، وخلق فرص العمل، وتعزيز موقع لبنان الاقتصادي في المنطقة والعالم.

 

اقرأ أيضاً: بين واشنطن وبيروت: هنا سقط خطاب الشيخ نعيم