معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

علي الأمين لـ”الدّولة”: المعارضون الشيعة جسرٌ معنويٌ مع سوريا

المساعدة البصرية: حجم الخط

هنا حوار مع السيّد علي الأمين، نجل العلّامة الراحل السيد محمد حسن الأمين. وهو يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل العلاقات اللبنانية السورية التي ما زالت تبحث عن تعريف واضح لمسارها المقبل. فالعلّامة الأمين الراحل كان قد أسّس لموقف لافت داخل الساحة الشيعية اللبنانية، اعتراضاً على تدخّل حزب الله في الشأن السوري. وسجّل من خلال بيانات وكتابات مواقفُ ما زال السوريون يستحضرونها في دفاتر دعم ثورتهم… مواقف نزعت عن حزب الله الشرعية الشيعية الكاملة، وأكّدت في الوقت ذاته أنّ شيعة لبنان ليسوا جميعهم في خصومة مع الشعب السوري… وها هو نجله يلعب دوراً شيعياً جديداً بين لبنان وسوريا.

 

حاورته: ملاك فقيه

 

في مشهد سياسي سوري جديد يسعى إلى تقديم صورة أكثر انفتاحاً وبراغماتية، برزت دعوة وزارة الثقافة السورية لرئيس تحرير موقع “جنوبية” الصحافي علي الأمين ليكون ضيف شرف في معرض دمشق للكتاب. وهي خطوة تتجاوز بعدها الثقافي، لما تحمله من دلالات مرتبطة بمقاربة السلطة السورية الجديدة للعلاقة مع لبنان والمكوّن الشيعي بعد سنوات الحرب.

التقى موقع “الدولة” الصحافي علي الأمين للحديث عن زيارته الأخيرة إلى دمشق، ونظرة القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع إلى لبنان، والعلاقة مع حزب الله، وآفاق المرحلة المقبلة. وكان هذا الحوار:

أبعاد الدعوة إلى دمشق

ما الذي يدفع السلطة السورية الجديدة إلى دعوة شخصية شيعية لبنانية بارزة كضيف شرف في أوّل معرض للكتاب؟ وهل تعكس هذه الخطوة صورة البراغماتية التي تسعى دمشق الجديدة إلى ترسيخها؟

لا نريد إعطاء الدعوة أكثر من حجمها الطبيعي، لكنّها بالتأكيد تحمل بعداً معنوياً وتقديرياً لمن كانت لهم مواقف ثابتة في تأييد الثورة السورية منذ انطلاقتها. وفي الوقت نفسه، كنّا ندرك أنّها دعوة مقصودة لشخصية شيعية بالذات، في ظل محاولات تصوير ما جرى في سوريا كأنّه صراع مذهبي.

وقد سعى موقع “جنوبية” منذ بدايات الثورة إلى تقديم صورة مختلفة عبر استضافة أصوات شيعية مستقلة وقفت إلى جانب حقّ السوريين في الحرية والتغيير، ما جعل الموقع يحظى بحضور واسع لدى الجمهور السوري.

حسابات سياسية لا طائفية

من خلال لقاءاتك واتصالاتك مع مسؤولين ومقرّبين من دائرة القرار، كيف تنظر السلطة السورية الجديدة إلى لبنان وإلى المكوّن الشيعي تحديداً؟

هناك تأكيد واضح بأنّ الخلاف مع حزب الله وإيران هو خلاف سياسي وليس مع الطائفة الشيعية. ويستذكر المسؤولون السوريون دائماً مواقف شخصيات شيعية مستقلة مثل الراحلين السيّد محمد حسن الأمين والسيّد هاني فحص، باعتبارها دليلاً على أنّ دعم الثورة السورية لم يكن محصوراً ببيئة أو طائفة معينة.

أمّا على المستوى الشعبي، فثمة حرص واضح على التمييز بين ممارسات حزب الله وبين عموم الشيعة اللبنانيين، مع السعي إلى تجاوز منطق الثأر والانفعالات التي خلفتها سنوات الحرب.

لا حوار خاص مع حزب الله

سوّق البعض لوجود حوار بين حزب الله والسلطة السورية الجديدة… فهل تتّجه دمشق إلى فتح صفحة جديدة مع حزب الله أم أنّ هناك حسابات مختلفة؟

لا يبدو أنّ هناك توجّهاً لفتح حوار خاص أو موازٍ مع حزب الله. المنطلق الأساسي لدى القيادة السورية الجديدة هو التعامل مع الدولة اللبنانية من دولة إلى دولة.

أمّا فيما يتعلق بالحزب، فالكرة اليوم في ملعبه وليست في ملعب السوريين. أي تطوّر إيجابي يحتاج إلى مراجعة حقيقية من الحزب نفسه، تتضمّن الاعتراف بالأخطاء التي ارتُكبت بحق السوريين واحترام حقهم في تقرير مصيرهم.

كيف تنظر دمشق إلى الرسائل الإيجابية ومحاولات التقارب التي صدرت أخيراً عن بعض مسؤولي وإعلاميي حزب الله؟

السلطة السورية تنظر بحذر إلى هذه المحاولات. وهي ترى أنّ تغيير الخطاب لا يكفي ما لم يقترن بمراجعة سياسية حقيقية تعالج إرث السنوات الماضية. لذلك تبدو دمشق غير معنية كثيراً بالمواقف الإعلامية بقدر اهتمامها بخطوات عملية وجدية.

علاقة دولة بدولة

بعد تأكيد الرئيس أحمد الشرع عدم التدخل العسكري في لبنان، هل يمكن فهم اهتمامه بالملفات اللبنانية كنوع من وجود نيّة للتدخل السياسي؟

ما لمسته هو وجود حرص شديد على عدم التدخل في الشأن اللبناني. القيادة السورية الحالية لا تريد العودة إلى الأساليب التي حكمت العلاقة بين البلدين في مراحل سابقة.

الرئيس الشرع كان واضحاً في التأكيد أنّ سوريا مستعدة للعب دور إذا طلبت الدولة اللبنانية ذلك رسمياً ومن خلال مؤسساتها الشرعية. أمّا الأولويات السورية فتتمثل بتنظيم العلاقات الرسمية، وضبط الحدود، ومعالجة الملفات المشتركة العالقة بروح من التوازن والاحترام المتبادل.

دور الأصوات الشيعية المستقلة

هل لعبت المعارضة الشيعية دوراً في بناء الجسور بين السوريين واللبنانيين؟

شكّلت المعارضة الشيعية اللبنانية، عبر مثقفيها ومنصّاتها، جسراً حافظ على الحدّ الأدنى من التواصل المعنوي بين الشعبين خلال سنوات الانقسام.

ولا أعتقد أنّ خطاب السلطة الجديدة تجاه الشيعة صاغته شخصية واحدة، بل هو نتاج تأثّر بمواقف شخصيات فكرية ودينية مستقلة وقفت إلى جانب الشعب السوري. ومن هنا تنظر دمشق إلى الأصوات الشيعية المستقلة بوصفها شريكاً طبيعياً في بناء علاقات سورية لبنانية متوازنة.

هل تتخوفون من تطوّر علاقة مباشرة بين دمشق وحزب الله مستقبلاً؟

لسنا قلقين من أي تقارب محتمل، لأنّ موقفنا من الثورة السورية كان موقفاً مبدئياً لا يرتبط بحسابات ظرفية. ونحن نتمنىّ قيام علاقات طبيعية بين سوريا ولبنان، كما نتمنى طيّ صفحة العداء، لكنّ ذلك يتطلب مراجعة حقيقية من الحزب لمواقفه خلال الحرب السورية.

أحمد الشرع برؤية رجل الدولة

ما الذي لفت انتباهك في مقابلة الرئيس أحمد الشرع الأخيرة؟ وما الرسالة التي توجّهها إلى السوريين واللبنانيين؟

أكثر ما لفتني هو صورة رجل الدولة التي سعى إلى تقديمها. بدا حريصاً على إظهار قدر كبير من الهدوء والعقلانية والمرونة في التعاطي مع القضايا السياسية، بعيداً عن الانفعال وردود الفعل.

أمّا رسالتي إلى السوريين واللبنانيين فهي أنّ الجغرافيا تفرض علاقة طبيعية بين البلدين، والمطلوب اليوم أن تُبنى هذه العلاقة على الاحترام المتبادل لا على الوصاية أو الإكراه.

على اللبنانيين أن يدركوا أن المكوّن الشيعي لا يختصر بحزب الله وحده، وأنّ هناك أصواتاً متنوّعة داخل هذه البيئة. وعلى السوريين أن يواصلوا بناء دولتهم الجديدة بروح تتّسع لجميع من آمن بحقهم في الحرية والكرامة، بعيداً عن التعميمات والأحكام المسبقة.

 

إقرأ أيضاً: محمد بركات يقترح خريطة طريق لبديل شيعي