معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

تسريب توجيهات خامنئي للمفاوضين: خطأ… أم صراع أجنحة؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

 

تحوّل ظهور النائب الإيراني المتشدد محمود نبويان على شاشة التلفزيون الرسمي إلى واحدة من أكثر الهزات الإعلامية والسياسية حساسية داخل إيران منذ بدء مسار التفاوض مع الولايات المتحدة. فما بدأ بمحاولة لإحراج الفريق المفاوض، انتهى بكشف حجم الانقسام داخل مؤسسات النظام، وفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز مضمون الرسائل إلى طبيعة صناعة القرار في طهران.

فهل هو خطأ؟ أم هو جزء من صراع الأجنحة في إيران بين أصحاب السقف المرتفع الذين يطالبون باستمرار القتال، وأصحاب السقف المنخفض الذين يستعجلون الحل، أي بين الحرس الثوري والأجنحة الأخرى الأقل حدة؟

 

مقابلة تتحول إلى أزمة سياسية

بدأت الأزمة عندما قرأ نبويان، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، خلال بث مباشر على قناة “خبر” الرسمية، مقتطفات قال إنها مراسلات سرية بعث بها المرشد الأعلى مجتبى خامنئي بين أبريل ومايو 2026 إلى الفريق المفاوض. وبحسب ما عرضه، تضمنت الرسائل أحد عشر شرطاً مثّلت سقفاً تفاوضياً مرتفعاً، في مقدمها رفض أي تفاهم لا يعترف مسبقاً بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، والمطالبة برفع العقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة والحصول على تعويضات، إضافة إلى التشديد على السيادة الإيرانية الكاملة على مضيق هرمز ورفض أي صيغة للإدارة المشتركة.

لكنّ الخطورة لم تكمن في مضمون هذه الشروط وحدها، بل في كونها قُرئت على الهواء مباشرة بوصفها مراسلات داخلية منسوبة إلى المرشد الأعلى. وسرعان ما قطعت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية البث، وحُذفت الحلقة من منصاتها، قبل أن تصدر بياناً رسمياً اعتبرت فيه ما جرى مخالفة جسيمة لقواعد البث، وأعلنت فتح إجراءات قانونية، بالتزامن مع قبول استقالة مسؤولين في القناة واتخاذ تدابير تأديبية بحق المشرفين على البرنامج. ولم تنجح محاولة الاحتواء، إذ كانت المقاطع قد انتشرت بالفعل على وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنصات الإعلامية، لتتحول القضية خلال ساعات إلى أزمة رأي عام داخل إيران.

رواية مجتزأة أم سجال سياسي داخلي؟

لاحقاً، دافع نبويان عن نفسه عبر منصة “إكس”، مؤكّداً أنّه لم يقصد تسريب أسرار الدولة، بل شرح أسباب اعتراض المرشد على مسودة التفاهم مع واشنطن. غير أنّ هذا التبرير لم ينهِ الجدل، إذ اتهمه المحلل الإيراني سعيد أغورلو بتقديم رواية مجتزأة، مدعياً أنّه تجاهل سبع عشرة رسالة أخرى منسوبة إلى المرشد كانت تمنح الفريق المفاوض هامشاً أوسع للحركة. وحتّى الآن، لم تُنشر تلك الرسائل، ما يجعل هذه الرواية جزءاً من السجال السياسي الداخلي، لا حقيقة مثبتة.

وأظهرت الأزمة أنّ الخلاف داخل إيران لم يعد يدور فقط حول مضمون الاتفاق، بل حول من يمتلك حق تفسير إرادة المرشد. فبينما حاول التيار المتشدّد، الذي يمثل واجهة سياسية لمراكز قوى نافذة داخل النظام، تقديم نفسه حارساً للخطوط الحمراء، رأى الفريق المؤيد للتفاوض أنّ الوثائق المعروضة انتُقيت لخدمة معركة سياسية داخلية لا لنقل الصورة الكاملة لمسار التفاوض. كما أنّ توقيت التسريب، بعد تبلور التفاهم لا في ذروة المفاوضات، يوحي بأنّ الهدف لم يعد التأثير في الموقف الأميركي بقدر ما أصبح التأثير في الرواية الداخلية وتحديد من يتحمل مسؤولية التنازلات أمام الرأي العام الإيراني.

ثغرة أمنية تكشف صراع مراكز القوى

كما كشفت الحادثة جانباً أكثر حساسية يتعلق ببنية النظام الأمنية. فمجرد وصول مراسلات يفترض أنّها شديدة السرية إلى نائب برلماني ليعرضها على الهواء مباشرة يطرح تساؤلات حول كيفية تسريبها، وما إذا كان الأمر نتيجة اختراق أمني أم انعكاساً لصراع بين مراكز القوى داخل الدولة. وفي الحالتين، بدا التسريب أكثر خطورة من مضمونه، لأنّه كشف أنّ وثائق ترتبط بأعلى مستوى في هرم السلطة باتت جزءاً من أدوات الصراع السياسي الداخلي. ولعلّ المفارقة أنّ نبويان لم يكشف أسراراً تخص خصوم إيران، بل وثائق تخص دولته وقيادتها، وهو ما جعل الضرر السياسي للتسريب يصيب الداخل الإيراني أكثر من الطرف المقابل.

وخارجياً، منحت الأزمة المفاوضين الغربيين انطباعاً بأنّ الوفد الإيراني يعمل تحت ضغوط متعارضة، وأنّ أي اتفاق قد يبقى عرضة لاعتراضات من داخل مؤسسات الحكم، بما يضعف صورة الوفد كشريك يمتلك هامشاً مستقراً لاتخاذ القرار.

سيف ذو حدّين… حين يرتدّ التسريب على أصحابه

لكن المفارقة الأكبر أنّ التسريب، الذي بدا في ظاهره هجوماً شنّه صقور طهران ضد الفريق المفاوض، قد يكون ارتد على أصحابه. فإذا صحّت نسبة هذه الرسائل إلى المرشد، فإنّ المقارنة بين السقف التفاوضي الذي عكسته في بداية المفاوضات، وبين ما انتهت إليه وثيقة التفاهم، توحي باتساع الفجوة بين الموقف الأول والنتيجة النهائية. وهي فجوة تعزّز الانطباع بأنّ القيادة الإيرانية اضطرت إلى إعادة ضبط سقف مطالبها تحت ضغط متغيرات ميدانية واقتصادية وسياسية فرضت نفسها خلال الأشهر الماضية.

ومن هذه الزاوية، يتحول التسريب إلى سيف ذي حدين. فبدلاً من أن ينجح في ترسيخ رواية مفادها أنّ الفريق المفاوض تجاوز تعليمات القيادة، فتح الباب أمام قراءة معاكسة مفادها أنّ التحوّلات التي شهدها الموقف الإيراني كانت، على الأرجح، انعكاساً لتبدل ميزان القوى أكثر منها خروجاً على توجيهات المرشد.

 

اقرأ أيضاً: علي الأمين لـ”الدّولة”: المعارضون الشيعة جسرٌ معنويٌ مع سوريا