تقف على أعتاب زوطر الغربية تعترض وتصرخ في وجه من رفع العلم اللبناني على أنقاض احتلال بالأمس القريب. تتناسى، أنّ نواف سلام والجيش اللبناني هما من فتحا لها الطريق أصلا لتقف على مدخل الضيعة وتتحدث عن “التحرير”.
الوطن ليس مزرعة إقطاعات
يقف الثرثارون على حدود زوطر، يصرخون: “هذه أرضنا وليست أرضكم! (عن نواف سلام)” وكأنّ لبنان مزرعة قطعت إلى إقطاعات، لكل قبيلة حدود، ولكل طائفة جواز سفر، ولكل زعيم ختم عبور! يا للعجب… متى أصبح الوطن عقارا مذهبيا يوزع كما توزع الغنائم؟
ونسأل الثرثارة، بلغتها التي تحبها: عندما هربت، في أرض مَن كنت تهربين؟ أفي أرض السنّة؟ أم في أرض الدروز؟ أم في أرض المسيحيين؟ أم أنّك، يوم اشتدّ الخطر، اكتشفت فجأة أنّ اسمها لبنان، وأنّ الجنوب لم يسأل الفار عن مذهبه، ولا الجبل عن طائفته، ولا الساحل عن حزبه؟
فلبنان، من أقصى جنوبه إلى أقصى شماله، ليس ملكا لفئة، ولا وقفا لحزب، ولا إرثا لعشيرة، بل وطن لكل اللبنانيين. ومن يحاول تحويله إلى كانتونات مذهبية لا يختلف كثيرا عمن رسم له الخرائط وأراد له أن يبقى ممزقا.
زمن الثرثرة انتهى
لقد انتهى زمن الثرثرة التي تباع على المنابر وتشترى بالتصفيق. فلم تعد الكلمات الجوفاء تصنع انتصارا، ولم تعد الشعارات تحرر أرضا، بل إنّ العقلية التي لا تعرف إلّا الصراخ والمزايدة هي التي جلبت الاحتلال، ثم راحت تتباهى بإدارة الهزيمة وكأنّها فتح مبين.
من زوطر إلى جبشيت… من نسي؟
وللتذكير فقط، لمن أصابه فقدان الذاكرة الانتقائي: الروبوت الإسرائيلي خرج من زوطر ووصل إلى أطراف جبشيت، والعالم كله تداول المشاهد. كان يتجوّل في مناطق قيل لنا إنّها محررة، يسرح ويمرح بلا استئذان، بينما كانت جيوش المعلّقين منشغلة بإحصاء الوطنيين والخونة على شاشات الهواتف.
نواف سلام… عدو مَن؟
أمّا نواف سلام، الذي غرس العلم اللبناني، ونسّق مع الأستاذ نبيه بري قبل زيارته الجنوب، فقد تحوّل عند بعضهم إلى العدوّ الأول! نسأل بكل براءة: هل هو من سرق أموال الناس؟ هل هو من نهب الخزينة؟ هل هو من أوصل الدولة إلى الإفلاس؟ أم أنّ المشكلة الحقيقية أنّه لا ينتمي إلى نادي الفساد الذي اعتاد تقاسم الدولة كما تقتسم الولائم؟
والأعجب أنّ الحزب نفسه الذي يطارده اليوم ويسعى إلى إسقاطه، لا يجد غضاضة في إعادة تدوير نجيب ميقاتي، الرجل الذي وُجّهت إليه اتهامات سياسية وشعبية تتعلّق بملفات فساد، ومنها ملف قروض الإسكان الذي يعتبر كثيرون أنّه ساهم في حرمان آلاف الشباب من فرصة امتلاك منزل. وكأنّ الخيارات عندهم لا تتجاوز معادلة عبثية: إما أن تقبلوا بمن نصفه نحن، أو نعيد لكم الوجوه التي أرهقت البلد وأثقلت كاهله.
بين تهمة “الصهيونية” والفساد الحقيقي
وإذا كان بعضهم يوزّع تهمة “الصهيونية” على كل من يخالفه، فإنّ اللبنانيين تعبوا من هذه القواميس المستهلكة. بين من يرمى جزافا بهذه التهمة، وبين فساد حقيقي التهم الدولة وأموال الناس ومستقبل الأجيال، يبقى الفساد هو العدو الذي يلمسه المواطن كل يوم في جيبه، وفي كهربائه، وفي دوائه، وفي رزقه.
لقد خسئتم بسياساتكم التي لم تنتج إلا مزيدا من الانقسام، وبحروبكم التي قيل إنها ستغيّر وجه المنطقة، فإذا بها تغيّر وجه القرى، وتزيد الخراب، وتفتح أبواب الاحتلال، ثم تطلب من الناس أن تصفق للهزيمة وأن تعتبرها انتصارا.
دولة عادلة لا مزرعة
كفّوا عن تقسيم الوطن، وكفّوا عن احتكار الوطنية، وكفّوا عن المتاجرة بدماء الناس. فالوطن لا يحمى بالخطب العالية ولا بالمزايدات، بل بدولة عادلة، وجيش واحد، وقانون واحد، وسيادة لا تتجزأ، وبعقول تؤمن أنّ لبنان وطن لجميع أبنائه، لا مزرعة لمن يرفع صوته أكثر من غيره.
نقلاً عن فايسبوك