معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

أسرار زلزال قلعة الشقيف.. وفضيحة سقوط أسطورة التحصين

المساعدة البصرية: حجم الخط

سبعمئة طنّ من المتفجرات لم تكتفِ بتدمير أنفاق الشقيف، بل كشفت أنّ المسافة بين “الحصانة” و”الانكشاف” باتت أقصر بكثير مما تخيّله من استثمر سنوات ومليارات في بنات هذه المنشآت…

 

في ليلة ٣٠-٣١ تموز ٢٠٢٦، نفّذ الجيش الإسرائيلي واحدة من أضخم العمليات الهندسية الميدانية في جنوب لبنان، باستهداف مجمع أنفاق تحت مرتفعات الشقيف في قضاء النبطية، مستخدماً نحو ٧٠٠ طن من المتفجرات. ووفق البيانات الرسمية الإسرائيلية المشتركة الصادرة عن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، أدّت العملية إلى تدمير مسارات رئيسية ضمن بنية حيوية تُنسب لوحدة “بدر”. في المقابل، لم يصدر عن حزب الله حتّى اللحظة بيان تفصيلي يؤكّد أو ينفي طبيعة المنشأة أو حجم خسائرها المباشرة.
وإذا صحّت الرواية الإسرائيلية حول ارتباط المنشأة بوحدة “بدر”، فإنّ أهمية الهدف لا ترتبط فقط بحجمه الهندسي، بل بدوره المحتمل كمركز قيادة وإسناد حيوي ضمن العمق العملياتي والتكتيكي للجنوب.

من ملاذ آمن إلى هدف مكشوف

لعقود طويلة، اعتُبرت التحصينات تحت الأرض ميزة عسكرية تمنح القدرة على التخفي والبقاء وإدارة العمليات بعيداً عن الاستهداف المباشر. أمّا اليوم، فإنّ عملية الشقيف توحي بتحول مهم: المنشآت الثابتة التي كانت مصدر حماية قد تتحول، في ظل التقدم الاستخباري، إلى أهداف عالية القيمة يسعى الخصم إلى كشفها وتدميرها بالكامل.
وهذا الحدث لا ينفصل عن تحولات الحروب الحديثة من غزة وأوكرانيا إلى جنوب لبنان، حيث لم يعد الصراع يقتصر على تدمير السلاح، بل امتد إلى تفكيك البنية التحتية والمنشآت التي تمنح هذا السلاح القدرة على العمل. إنّها مواجهة لا تستهدف القوة العسكرية فقط، بل البيئة الجغرافية التي تنتجها وتحميها.

٧٠٠ طن… رسالة بحجم القوة

إذا كان اختيار الهدف يكشف فلسفة العملية، فإنّ حجم القوة المستخدمة يكشف حجم الرسالة. فالـ٧٠٠ طن من المتفجرات لا تعكس فقط قدرة تدميرية ضخمة، بل تشير إلى أنّ المنشأة صُنّفت ضمن الأصول العسكرية ذات الأولوية العالية، وأنّ إسرائيل كانت مستعدّة لتحمّل كلفة هندسية ولوجستية كبيرة لضمان إخراجها من الخدمة.
غير أنّ الصدمة العسكرية الحقيقية في الشقيف تكمن في جانبها الاستخباري قبل الميداني. كيف تحولت منشأة صُممت لتكون شديدة السرية إلى هدف معروف ومحدّد بدقّة؟ إنّ هذه العملية تسلّط الضوء على تضافر أدوات الاستشعار الجوي، وجمع المعلومات التقنية المعقدة، مع احتمالات الانكشاف الإلكتروني أو البشري، وهي خسارة قد تتجاوز تدمير الخرسانة والحديد، لتضرب الثقة بالسرية الأمنية التي قام عليها بناء “المدن السفلى”.

أثمان تتجاوز الخرسانة

ما دُمّر في الشقيف لا يقتصر على التجهيزات التقنية والتأسيس الهندسي، بل يشمل أيضاً “الذاكرة العسكرية التراكمية” من طرق حركة، وخطط إمداد، وأساليب دفاع تراكمت لدى الكوادر عبر سنوات. كما يتجاوز الأثر المباشر البعد العسكري ليمس المجتمعات المحيطة بالمنشأة، فارتجاجات التفجير تضع القرى والبلدات المجاورة أمام تضرّر متزايد في بناها التحتية ومنازلها، فضلاً عن فرض واقع يرسخ مناطق أمنية غير معلنة تزيد من تعقيد الحياة اليومية للأهالي.

اختبارات و إعادة الحسابات

على المستوى التنظيمي، يضع هذا التطور حزب الله أمام تحديات تتجاوز إعادة بناء منشأة مادية، لتمس أمن الشبكات والاتصالات، وإعادة تقييم أساليب الانتشار وإدارة المحاور، والتحول الاضطراري نحو نموذج الخلايا الأصغر والأكثر لامركزية لتقليل قابلية الاستهداف. أما على المستوى الإيراني، فإنّ السؤال يدور حول جدوى نموذج الاستثمار في البنى العسكرية الثابتة، وما إذا كان الموقف سيدفع نحو التركيز على قدرات أكثر مرونة، مثل المنظومات المتنقلة، والمسيّرات، والحرب الإلكترونية، والشبكات الأقل كلفة والأصعب رصداً.
سياسياً وتفاوضياً، تطرح العملية سؤالاً جوهرياً حول حدود اتفاق وقف إطلاق النار ومبادئ القرار ١٧٠١، وما إذا كانت هذه الوقائع الميدانية تعيد تعريف قواعد الاشتباك التي نشأت بعده. فإسرائيل تحاول تحويل قدرتها على التدمير الهندسي إلى ورقة ضغط ميدانية، بينما يواجه حزب الله تراجعاً في بعض أوراق الردع المرتبطة بالمواقع المحصنة والمرتفعات الحاكمة.

علي الطاهر: الهدف التالي؟

في هذا السياق، تبرز تلّة “علي الطاهر” كإحدى العقد الجغرافية المهمة في منطقة النبطية وإقليم التفاح. وإذا قرّرت إسرائيل مواصلة نهج تحييد المرتفعات وتجريد التضاريس من قيمتها العسكرية، فقد تصبح هذه التلّة من بين المواقع التي تحظى باهتمام عملياتي، وإن كان تنفيذ أي عملية مشابهة سيبقى مرتبطاً بحسابات التصعيد والمخاطر الميدانية.
لكنّ نجاح نموذج الشقيف لا يعني بالضرورة أنّه قابل للتكرار بسهولة. فالتلغيم الهندسي المباشر يحتاج إلى ظروف استخباراتية وميدانية استثنائية، كما أنّ إدخال قوات برية إلى مناطق معادية يحمل مخاطر الكمائن والخسائر. كذلك، فإنّ تدمير البنية الثابتة لا يعني إنهاء القدرة على القتال، بل قد يدفع الخصم إلى أنماط أكثر خفاءً وصعوبة في الرصد.

نهاية عصر التحصينات؟

لهذا فإنّ الحروب لا تُقاس فقط بحجم ما يُدمّر من عتاد ومنشآت، بل بما تُجبر الخصوم على تغييره في عقيدتهم وسلوكهم. وإذا كان الشقيف يمثل بداية مرحلة جديدة، فإنّ السؤال الأكبر لن يكون فقط كم نفقاً بقي، بل ما إذا كان عصر التحصينات العسكرية الثابتة يقترب من نهايته لصالح نموذج المواجهات المرنة والشبكات الخفية.

الجيش اللبناني أمام استحقاقه

ويبقى السؤال الحاسم أمام قيادة الجيش اللبناني الحالية برئاسة العماد رودولف هيكل: هل تمتلك المؤسسة العسكرية الغطاء السياسي والوطني الكافي لترجمة مبدأ حصرية السلاح والسيطرة الفعالة على الأرض، أم أنّها ستظل تتحرك ضمن هامش ضيق بين الحسابات الداخلية المعقدة والالتزامات الدولية القائمة؟