معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

ثلاثة أيّام في السعودية النووية

المساعدة البصرية: حجم الخط

في لحظة احتراق إيران وتهاوي أذرعها، تصعد السعودية نحو مكانة نووية استثنائية لا يشاركها فيها أحد. بين درعية تستعيد عراقتها وبيروت تُدار من الشرفة، يروي هذا النصّ من الرياض شهادة لبنانية عن مسافة عمرها عشر سنوات يقطعها العرب بثقة، فيما لبنان لا يزال يقيسها بالجثث.

 

تشتعل المنطقة. إيران تتهاوى. أذرعها تتمزّق. صواريخ أميركا وطائراتها تزرع الريح فوق طهران ومشهد وأصفهان وشيراز وتبريز. وتحصد عاصفة قلوب أهل المنطقة. تلاحق قادة الميليشيات في كلّ مكان. الذين دمّروا مدن العرب بسلاح المذهبية وبأحلام السيطرة والتوسّع. وبجهلٍ ضارب الجذور بموازين القوى وتواريخ الشعوب وبانقطاعٍ لا سابق له عن الحاضر وبغربةٍ مؤسفة عن قطارات المستقبل.

مشروع الملالي النووي بات أثراً بعد عين. اليورانيوم الذي خصّبه الخامنئي بدماء شيعة الدول العربية وبجوع أطفال إيران وبتدمير مدن المشرق العربي، يئنّ تحت جبال من الركام. تعجز حتى أميركا عن سحبه. دُفنَ حيّاً. تماماً كما دفنت صواريخ أميركا وإسرائيل بلاداً ومدناً كاملة.

وقد دفع نظام الملالي ثمن تطاول إيران على جيرانها العرب من دماء قادته وشعوبه.

أن تكون لبنانياً في السعودية

أن تكون لبنانياً في زيارة إلى السعودية، يعني أن تدرك حجم الهوان الذي يعيشه لبنان. كما لو أنك تخرج من صورة بالأبيض والأسود، إلى فيديو بالألوان المشبّعة والمشغولة بالذكاء البشري.

من الرياض، قبلةُ العرب، تطلّ الدرعية التاريخية كأنها الشاهد الحيّ على أنّ للنهضة أصلاً لا يُختَرع بين ليلة وضحاها. تمشي في أزقتها المرمَّمة بالطين نفسه الذي بُنيت به قبل قرون، فتشعر أنك أمام سوليدير أخرى، لكنها سوليدير لا تنسى أصلها بل تتمسّك بجذورها. فالسعودية اليوم باتت موضع فخر شبابها. وهو من رائحة الأمير محمد وإنجازاته.
لهذا تجمع الدرعية عراقة التاريخ بشراكة المستقبل، على عكس الوسط الذي عرفناه في بيروت، حيث ابتلع الإسمنت كل ذاكرة وكلّ حقّ.

في المولات، وفي شوارع الرياض، تمشي النساء بحرية تذكّرك ببيروت أيام كانت بيروت. موظف الاستقبال في الفندق حين سألته عن هذا التحول، اكتفى بابتسامة عريضة وقال: “إحنا صرنا نعيش، مو بس نستنّى”. جملة بسيطة، لكنها تختصر مسافة عمرها عشر سنوات، قطعتها السعودية بخطى واثقة، فيما لا يزال لبنان يقيس المسافة بالجثث.

السعودية هذه الأيام تغنّي وتنتج الأفلام وتضيء ليالي العرب بالفنون والثقافة.

وهي أيضاً تُبسّط حياة مواطنها بهدوء لا صخب فيه: تطبيق واحد على الهاتف، “أبشر”، يكفي لإنجاز معاملات كل الفواتير، الكهرباء أو المياه أو دفاتر السوق أو دفع الرسوم الجمركية، من دون واسطة ولا معاملة تستنزف العمر في الدوائر الرسمية.
وفي برنامج الإسكان، اختصرت الدولة انتظار اثنتي عشرة سنة كانت ضرورية للحصول على مسكن، إلى يومين فقط: رفع الأمير محمد بن سلمان نسبة تملّك المواطنين لمساكنهم من 52 إلى 67 بالمئة خلال 4 سنوات والهدف الوصول إلى 70 بالمئة في العامين المقبلين. وهي من أعلى النسب في العالم قياساً إلى دول G7.
موظف الاستقبال في الفندق، حين لاحظ دهشتي من سرعة الإجراءات، قال ضاحكاً: “عندنا الدولة تخدمك، مش أنت اللي بتلحق وراها”. عبارة يسمعها اللبناني فيشعر بغصّة لا يخفّف منها إلا صمته.

المملكة العربية تمدّ ظلالها هذه الأيام على دنيا العرب: من اليمن إلى ليبيا مروراً بمصر والسودان وسوريا والعراق. تصالح الإمارات. تحضن قطر. وترفع لبنان كطفلٍ مُصابٍ. وتمشي جنباً إلى جنب أميركا دونالد ترامب. كشريكةٍ في حكم المنطقة، وكرقمٍ أساسي في مشهد العالم الجديد…

موسم الرياض يرث مواسم بيروت الآفلة. بيروت التي دمّرتها الميليشيات والاغتيالات والترويع بسلاح الملالي وحلفائهم. وبيروت التي نهبها السياسيون الفاسدون وأفلسوها بحماية السلاح وبالتحالف معه وبسكوتهم عنه وعن الدماء التي سالت. وبعضهم باع أهله وقتلاه من أجل مفاسد السلطة ومغانمها.

بيروت هذه، الخزينة والمكسورة والمكسّرة، جاءت إسرائيل لتقضي على ما تبقّى من ماءٍ في أيديها ومن حمرة الخجل على وجنتيها.

بيروت هذه مسكينة. يغرقها الحشّاشون في أوهام الانتصار، فيما هم يدمّرونها.

أن تكون من جنوب لبنان في الرياض

أن تكون من جنوب لبنان في الرياض يعني أن تتذكّر أنّ السعودية هي الضمانة الوحيدة لإعادة إعمار جنوب لبنان. وأنّ مشروعها لاستقرار المنطقة، ومصالحها وأمنها القومي، ومحبّتها للبنان، يتقاطعان على منع الفتنة السنية الشيعية. وبالتالي على حماية لبنان من جنون التدخل السوري. من حرب مذهبية ستصل شظاياها بالتأكيد إلى أطراف الخليج…

أن تكون من جنوب لبنان في السعودية يعني أن تتذكر أنّ الملك سلمان رفض التطبيع دون دولة فلسطينية. وأنّ الأمير محمد بن سلمان حمى رئيس الجمهورية جوزاف عون وساعده على تفادي مصافحة بنيامين نتانياهو في واشنطن. وفتح له الطريق إلى البيت الأبيض. وأنّ وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان فتح له الطريق إلى البيت الأبيض. وأنّ الأمير يزيد بن فرحان رمّم له العلاقة مع الرئيس نبيه برّي وطلب منه الإشادة به أمام ترامب…

السعودية النووية: يحقّ لها ما لا يحقّ لغيرها

وسط كلّ هذا، تعلن أميركا أن المملكة العربية السعودية ستصير دولة نووية. اتفاق تاريخي سينقل المملكة من دولة لها نفوذ إقليمي واسع، إلى دولة نووية، يحقّ لها ما لا يحقّ لغيرها. تماماً كما أعطى العرب شعراءهم “كارت بلانش” لغوياً. تبدو الرياض هذه الأيام استثناءً سياسياً نادراً. ترتفع أجنحتها، من بيروت التي تحميها ملائكة سعودية، إلى سوريا التي تنهض بأيادٍ خليجية على رأسها السعودية، إلى بغداد التي تنظّف جسدها من أدران الحشود والميليشيات ومن لفّ لفّهم من نهّابين سرّاقين، إلى صنعاء التي باتت قاب قوسين أو أدنى من العودة إلى شرعية العرب والمنطق.

السعودية نووية… وامتياز بلا “معيار ذهبي”

الاتفاق الذي وقّعته واشنطن والرياض هذا الأسبوع لم يمنح السعودية مجرّد تعاون نووي مدني عابر، بل فتح لها الباب نحو تخصيب اليورانيوم على أرضها، عبر دراسة أميركية-سعودية مشتركة تمهّد الطريق. والأهمّ أنّ الاتفاق جاء خالياً من “المعيار الذهبي” الذي كانت واشنطن تشترطه تقليدياً على شركائها النوويين، والذي كان سيمنع الرياض من التخصيب وإعادة معالجة الوقود.

الرسالة وصلت مبكراً: الرياض التي رفضت التطبيع مع إسرائيل من دون دولة فلسطينية، حصلت على الملف النووي من دون أن تدفع ذلك الثمن حتّى الآن. استثناء آخر يُضاف إلى استثناءات المملكة، فيما تُحرَق طهران بصواريخ الأمس، وتُكافأ الرياض بتكنولوجيا الغد.

بيروت التي لا تُسأل

بين طهران المحترقة والرياض النووية الصاعدة، أين تقف بيروت؟

الزائر اللبناني إلى الرياض تلحّ عليه هذه الأسئلة. يحاصره غياب الأجوبة. وابن جنوب لبنان، المحترق والمدمّر والذي لا قبضةَ تحميه ولا من يسأل عنه، وجد رئيس الحكومة نواف سلام يغرز العلم اللبناني في بلدة زوطر التي حرّرها التفاوض. زوطر التي تجلس على كتف نهر الليطاني، نهر الأحزان الإقليمي.

وابن جنوب لبنان وجد رئيس الجمهورية جوزاف عون يطلب من البيت الأبيض انسحاب إسرائيل من الجنوب.

ولم يجد أحداً غيرهما يدافع عنه، من طهران إلى حارة حريك.

وبيروت، المدينة التي كانت يوماً عاصمة المستقبل العربي، تكتفي اليوم بمراقبة إعادة رسم المنطقة من الشرفة.

في المطار، وأنا أستعدّ للعودة إلى بيروت، سألني موظف الجوازات، بلا مواربة: “منين؟”. قلت: “من لبنان”. صمت لحظة، ثم قال: “الله يعينكم”. لم تكن جملة شفقة، بل كانت تشخيصاً دقيقاً لمسافة لم يعد يخفيها أحد.

لبنان اليوم، وجنوبه، وشيعته، أمام لحظة تاريخية: يمكن لنا أن نلتقط اليد السعودية، السعودية النووية، وأن نترك اليد الإيرانية التي أحرقتنا وأحرقت نفسها، وأن نركب قطار المستقبل، الذي تحرّك من الرياض، ولن يقف طويلاً في محطة بيروت… هذا إذا بقيت المحطّة.

 

اقرأ أيضاً: من رشّ الأرز على إسرائيل.. يرشّ السمّ على نواف سلام