معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

تقرير “رويترز” عن السعودية: روحية الردع تتقدّم

المساعدة البصرية: حجم الخط

تعيد المملكة العربية السعودية صياغة معادلة ردع جديدة بين تحالفات ناشئة وتهديدات لا تنتظر. وها هي تحوّل هذه الشراكات إلى درع فعلي في وجه تهديدات إيران، وفي مواجهة جنون إسرائيل… تقرير لوكالة “رويترز” أحاط بالملفّ من جوانب مختلفة.
تسير المملكة العربية السعودية اليوم في اتجاهين متوازيين لمواجهة موجة التصعيد الذي يجتاح المنطقة: تعزيز شبكة تحالفاتها العسكرية من جهة، والسعي لقيادة قوّة بحرية دولية في البحر الأحمر من جهة أخرى. وفي خضم ذلك، وجّهت الرياض تحذيرًا صريحًا لطهران مفاده أنّ أي اعتداء جديد على الملاحة في مضيق هرمز سيضع إيران وحدها أمام تبعاته.
موقع لم تخترْه المملكة
وفي تقرير مفصّل، كشفت وكالة “رويترز” أنّ السعودية باتت تجد نفسها طرفًا رئيسيًا في مواجهة متصاعدة، الأمر الذي دفعها لتسريع بناء شبكة تحالفات إقليمية تمنحها هامش ردع أكبر أمام التهديدات المحدقة بها. ومن أبرز هذه الخطوات، العمل على تحالف بحري يضم دولًا متعددة في البحر الأحمر، إضافة إلى ضم تركيا لاتفاق دفاعي يربط بين الرياض وإسلام آباد، في مسعى لتوسيع دائرة الشراكة الأمنية والعسكرية نحو باكستان وتركيا.
غير أنّ مصادر ومحللين نقلت عنهم الوكالة رأوا أنّ هذه الخطوات لم تصل بعد إلى الأثر الردعي المنشود، طالما استمرّت الهجمات المرتبطة بإيران وأذرعها في العراق واليمن.
يشير الباحث السعودي عزيز الغشيان، إلى احتمال أن تكون طهران وحلفاؤها قد قرأوا تحفظ الرياض عن الردّ المباشر باعتباره رغبة في تجنب الصدام، فيما يكمن التحدّي الحقيقي أمام السعودية في الجمع بين إظهار قوة رادعة وتفادي الانزلاق نحو حرب أوسع نطاقًا.
خيار الدبلوماسية أولًا
فضّلت الرياض حتّى الآن نهج الاحتواء عبر القنوات الدبلوماسية، مع ردود عسكرية محدودة لم يُكشف عن كامل تفاصيلها. وكانت العلاقة مع طهران قد شهدت هدوءًا نسبيًا بالتزامن مع الهدنة الأميركية-الإيرانية في نيسان الماضي، قبل أن تعيد أحداث الأسابيع الأخيرة التوتر إلى الواجهة، وسط تهديدات متصاعدة لمنشآت النفط وحركة السفن في هرمز والبحر الأحمر على حد سواء.
هذا الواقع دفع المملكة لاتخاذ خطوات أكثر حزمًا، من بينها مشاركتها في ضربات جوية أميركية-سعودية مشتركة استهدفت فصائل مسلحة عراقية، وإعلانها نيّة قيادة تحالف بحري دفاعي في البحر الأحمر، فضلًا عن التوقيع على “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” مع كل من تركيا وباكستان.
تحالفات في طور الاختبار
تصف ياسمين فاروق، مديرة “مشروع الخليج” في “مجموعة الأزمات الدولية”، هذه التحركات بأنها انتقال تدريجي نحو مرحلة أكثر تقدمًا من سياسة الردع السعودية، لكنها تستدرك بأنّ التحالفات الوليدة لا تزال في مرحلة إثبات فعاليتها، وأنّ أي عمليات عسكرية مشتركة واسعة النطاق ما زالت مستبعدة في المدى القريب.
أما الكاتب والأكاديمي سلطان العامر، فيعتبر أنّ الاتفاقية الدفاعية تحمل بعدًا رمزيًا لافتًا كتعهد بين دول إسلامية بحماية بعضها البعض، لكن آليات تفعيل هذا الالتزام ميدانيًا لا تزال غامضة.
اليمن يفرض نفسه من جديد
عاد الملف اليمني ليتصدّر حسابات الرياض الأمنية، بعد إعلان الحوثيين نهاية هدنة استمرت أربع سنوات، وعملهم على مضايقة المملكة بحرياً، إلى جانب شنّ هجمات طالت منشآت نفطية وسفنًا سعودية. ويستحضر هذا المشهد سيناريو عام ٢٠١٩ حين تعرضت منشآت النفط السعودية لضربات مماثلة، إلا أنّ الرياض تحاول هذه المرة إبقاء الدور البرّي الرئيسي بيد الحكومة اليمنية الشرعية، مع التركيز على بناء غطاء بحري دولي يحمي خطوط الملاحة. وقد انضمت حتى الساعة ١٤ دولة إلى هذا التحالف البحري، مع تلويح دول أخرى بالانضمام، فيما لا تزال أوروبا مترددة خشية الانخراط في نزاع مرتبط بالحرب اليمنية.
“أدنوك” تشعل فتيل التصعيد اللفظي
تزامنت هذه التطورات مع تشدّد ملحوظ في الخطاب السعودي تجاه إيران، إذ أدانت الخارجية السعودية الأسبوع الماضي، بشدة، استهداف ناقلتين تابعتين لشركة “أدنوك” الإماراتية خلال عبورهما مضيق هرمز، محمّلة طهران “المسؤولية الكاملة عن عواقب استمرارها في هذه الاعتداءات”، وأكدت تضامنها التام مع أبوظبي، واصفة تكرار هذه الهجمات بـ”التصعيد الخطير والتهديد المباشر” لأمن الملاحة. وكانت “أدنوك” أعلنت تعرض السفينتين للهجوم دون وقوع إصابات، فيما دانت الإمارات الحادثة ووجّهت أصابع الاتهام إلى إيران.
رهان على تعدّد مصادر القوة
يكتسب تحرّك الرياض أهمية مضاعفة مع اشتعال التوتر في آن واحد على ممرين بحريين حيويين، هرمز والبحر الأحمر، وهما شريانان أساسيان لتجارة الطاقة العالمية. وتراهن السعودية على استراتيجية تنويع مصادر قوّتها بدل الاتكاء على مسار واحد، من خلال مزيج من التحالفات الإقليمية والبحرية والتنسيق مع واشنطن، مع إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا لتفادي انزلاق شامل.
ويبقى المحكّ الحقيقي أمام هذه السياسة قدرتها على تحويل الاتفاقيات من مجرد رسائل سياسية إلى منظومة ردع فعلية على الأرض، في لحظة دقيقة قد ترسم ملامح الأمن الإقليمي السعودي المقبل.