هل تُصنع قرارات الحرب في غرف السياسة وحدها، أم أن للمال كلمته أيضاً؟ من أيزنهاور إلى ترامب، تبقى العلاقة بين البندقية والميزانية أكثر التباساً مما تبدو.
في 6 أيلول 2001، قبل خمسة أيام فقط من هجمات 11 أيلول، قال الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، في معرض حديثه عن أموال الضمان الاجتماعي والموازنة الفدرالية: “لقد قلت مراراً إنّ الوقت الوحيد لاستخدام أموال الضمان الاجتماعي هو في أوقات الحرب، أو أوقات الركود، أو حالات الطوارئ الشديدة”. التصريح يبدو اليوم شديد الدلالة بسبب توقيته، ولا يعني هذا التزامن، بطبيعة الحال، أنّ بوش كان يعلم بما سيحدث في 11 أيلول، ولا أنّ ثمّة علاقة سببية بين التصريح والهجمات. فالتقرير الرسمي للجنة 11 أيلول يؤكّد أنّ تنظيم القاعدة كان يخطّط للعملية منذ سنوات، وأنّ التهديد الإرهابي كان قائماً قبل وصول إدارة بوش إلى البيت الأبيض. لذلك فإنّ قيمة التصريح ليست في تحويله إلى “دليل مؤامرة”، بل في كونه نقطة زمنية مثيرة لقراءة العلاقة الأوسع بين الحرب والمال والسياسة.
فبعد خمسة أيام، تغيّر كل شيء. تحولت الولايات المتحدة إلى دولة في حالة حرب، ثم بدأت الحرب في أفغانستان، تلتها حرب العراق عام 2003، ثم سلسلة طويلة من العمليات العسكرية والأمنية في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا. وتشير تقديرات مشروع Costs of War في جامعة براون إلى أنّ الحروب الأميركية التي أعقبت 11 أيلول كلفت الولايات المتحدة تريليونات الدولارات، فيما بلغت تقديرات أخرى نحو 5.8 تريليون دولار للحربين في العراق وأفغانستان وحدهما عند احتساب مكونات الإنفاق المختلفة وتكاليف الحرب المباشرة وغير المباشرة.
هنا يظهر السؤال الذي يتجاوز 11 أيلول: هل الحرب مجرّد قرار سياسي وأمني، أم أنها أيضاً سوق اقتصادية هائلة؟
من تحذير أيزنهاور إلى أرقام اليوم
في عام 1961، وقبل أكثر من أربعين عاماً من هجمات نيويورك وواشنطن، حذر الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور من تنامي ما سماه “المجمع العسكري-الصناعي”. كان الرجل جنرالاً وقائداً عسكرياً قبل أن يصبح رئيساً، ولذلك لم يكن تحذيره صادراً عن خصم للمؤسسة العسكرية. لقد حذّر تحديداً من احتمال أن يؤدي الجمع بين المؤسسة العسكرية الضخمة وصناعة الدفاع إلى نفوذ سياسي واقتصادي “غير مبرر”.
بعد أكثر من ستة عقود، تبدو الأرقام أكثر ضخامة. فبحسب بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام SIPRI، بلغ الإنفاق العسكري العالمي في عام 2025 نحو 2.7 تريليون دولار، فيما أنفقت الولايات المتحدة وحدها نحو 954 مليار دولار، أي أكثر من أي دولة أخرى وبفارق هائل. وتشير بيانات SIPRI إلى أنّ الولايات المتحدة أنفقت في 2025 ما يزيد على مجموع إنفاق الدول الست التالية لها في الترتيب.
وهذا الإنفاق لا يذهب إلى فراغ. هناك منظومة صناعية ضخمة تقف خلفه، تضم شركات دفاعية أميركية كبرى مثل Lockheed Martin وRTX وNorthrop Grumman وGeneral Dynamics، إلى جانب شركات عالمية أخرى. ويظهر تصنيف SIPRI لأكبر 100 شركة لإنتاج الأسلحة والخدمات العسكرية حجم هذه الصناعة عالمياً، بينما بلغت مبيعات الأسلحة لشركة General Dynamics وحدها نحو 30.2 مليار دولار في 2024 وفق بيانات مبنية على تصنيف SIPRI.
الاستفادة من الحرب لا تعني صناعتها
لكن من الخطأ القفز من هذه الأرقام إلى القول إنّ شركات السلاح “تصنع الحروب”. فهناك فرق بين الاستفادة من الحرب والتأثير في السياسة العامة وبين امتلاك القدرة على إصدار قرار الحرب.
الأدق أن نقول إن الحرب تخلق شبكة مصالح واسعة: موازنات دفاعية، عقود حكومية، وظائف، استثمارات، بنى صناعية، أبحاث، خدمات أمنية ولوجستية، ثم جماعات ضغط قادرة على التأثير في النقاش السياسي حول الأمن والدفاع. وكلما طال الصراع، ازدادت أهمية هذه الشبكة.
ترامب وحرب إيران: حين تتقاطع السياسة بالاقتصاد
وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة مع وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة. ترامب ليس سياسياً تقليدياً في نشأته المهنية. إنه رجل أعمال ومستثمر بنى مسيرته في عالم العقارات والاستثمار والصفقات، ويولي في خطابه السياسي أهمية واضحة للمنطق الاقتصادي والتجاري و”التكلفة” و”العائد”. لكن هذه الخلفية لا تكفي إطلاقاً للقول إن قراراته العسكرية تحركها مصالحه التجارية الشخصية.
الأكثر أهمية هو أنّ ترامب يقود الولايات المتحدة في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في العلاقة بين الحرب والاقتصاد: المواجهة المباشرة والمستمرة مع إيران، وما يرتبط بها من عمليات عسكرية وضغوط اقتصادية وحرب بالوكالة في المنطقة.
فمنذ اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران في شباط 2026، دخل الصراع مرحلة مختلفة عن أزمات العقود السابقة. وبحلول آب، كانت المواجهة قد دخلت شهرها السادس، بينما انتقلت إدارة ترامب في الأيام الأخيرة من التهديدات العسكرية إلى تصعيد اقتصادي واسع ضد طهران والدول التي تتعامل معها. وفي 20 آب أعلن وزير الخزانة الأميركي أنّ واشنطن ستفرض ما وصفه بـ”أقسى العقوبات في التاريخ” على إيران، في حين هدّد ترامب بشن حملة اقتصادية ساحقة. والأثر الاقتصادي بدأ يظهر خارج ساحات القتال، فقد ارتفع سعر خام برنت في 21 آب إلى نحو 94 دولاراً للبرميل، مع استمرار المخاوف من اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وتراجع حركة السفن عبره بصورة كبيرة.
صناعة الدفاع: من الطلب إلى إعادة التعبئة
وهنا تعود المفارقة إلى نقطة البداية. في 2001، كان بوش الابن يتحدّث عن الحرب باعتبارها إحدى الحالات الاستثنائية التي يمكن فيها إعادة ترتيب الموارد المالية للدولة. وفي 2026، أصبحت الحرب الأميركية مع إيران نفسها عاملاً يؤثر في أسعار الطاقة والتجارة الدولية والموازنات العسكرية والأسواق.
أمّا صناعة الدفاع، فتعمل داخل هذه الدائرة الاقتصادية الضخمة. وليس المطلوب افتراض أنها “تأمر” الرؤساء بالحرب، يكفي ملاحظة أنّ الحرب تعني في النهاية زيادة الطلب على منظومة دفاعية تقدّر مبيعاتها بعشرات ومئات المليارات. بل إنّ الحرب الحالية تكشف جانباً آخر، فالصراع لا يعني فقط شراء معدات جديدة، بل استهلاك مخزونات عسكرية وإعادة بنائها (replenishment)، أي إعادة بناء القدرات التي استُهلكت أثناء العمليات. وقد تناولت تقارير حديثة بالفعل الضغوط التي خلفتها الحرب على مخزونات الدفاع الجوي والصواريخ الأميركية والحاجة إلى تسريع الإنتاج.
من يملك مصلحة استمرار الحرب؟
لذلك ربما تكون القاعدة الأكثر واقعية ليست أنّ “صناعة السلاح تصنع الحروب”، بل أنّ هناك اقتصاداً للحرب يجعل الحرب مصدر إنفاق هائل ومصلحة مؤسسية لقطاعات واسعة، وقد يمنح تلك القطاعات قدرة متزايدة على التأثير في تعريف التهديدات وأولويات الأمن القومي. وهذا يفرض سؤالاً سياسياً وأخلاقياً وقانونياً بالغ الأهمية: إذا كانت الحرب كارثة على المجتمعات، لكنها في الوقت نفسه سوق بمئات المليارات للدول والشركات والصناعات المرتبطة بالدفاع، فمن يملك المصلحة الأقوى في إنهائها، ومن يملك المصلحة الأقوى في استمرار مناخ التهديد؟
لا تكفي هذه المعادلة لإدانة صناعة بأكملها، ولا لإثبات أنّ حرباً بعينها بدأت خدمةً لمصالح الشركات. لكنها تجعل من السذاجة الاعتقاد بأن قرارات الحرب تُتخذ دائماً في فراغ اقتصادي.
من تحذير أيزنهاور في 1961، مروراً بتصريح بوش الابن في 6 أيلول 2001، إلى تريليونات ما بعد 11 أيلول، وصولاً إلى حرب إيران في عهد ترامب، تبدو الصورة أكثر تعقيداً: السياسة هي التي تعلن الحرب، لكن الاقتصاد يحدّد أحياناً من يربح منها، ومن يملك القدرة على الاستمرار فيها، ومن تتسع مصالحه كلما طال أمدها. وربما تكون المسألة الأهم، في النهاية، ليست: هل تصنع شركات السلاح الحرب؟ بل: هل بنينا نظاماً دولياً أصبحت فيه الحرب، أو الاستعداد الدائم لها، صناعة قائمة بذاتها؟
إقرأ أيضاً: باريس تتزين لضيفها الكبير: السعودية تكتب فصلاً جديداً في تاريخها الدولي