زيارة رسمية لولي العهد السعودي إلى باريس تكرّس حضور المملكة كشريك استراتيجي لا غنى عنه، وتفتح ملفات الطاقة والدفاع والتقنية ضمن أول اجتماع لمجلس الشراكة السعودي الفرنسي.
حين تستعد عاصمة النور لاستقبال ضيف، فإن ذلك وحده يحمل دلالة، لكن حين تصف الصحافة الفرنسية نفسها هذه الزيارة بـ”المهمة”، فإننا أمام حدث يتجاوز البروتوكول ليكتب فصلاً جديداً في مسار العلاقات الدولية للمملكة العربية السعودية.
غادر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى باريس، تلبيةً لدعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وبتوجيه من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، في زيارة رسمية تمتدّ يومي الأحد والاثنين، وتضع القضايا الإقليمية في صدارة المحادثات. ولم تكن باريس لتستعدّ بهذا الزخم لولا إدراكها أن الرياض اليوم ليست طرفاً عابراً في المعادلة الدولية، بل فاعل رئيسي تُحسب له الحسابات في كل ملف من ملفات المنطقة.
مجلس شراكة يفتح ملفات نوعية
وليس عبثاً أن توصف الزيارة بالمهمة، فالثقل الإقليمي والدولي الذي باتت تتمتع به المملكة لم يعد محل جدل، بل أصبح واقعاً يفرض نفسه على طاولات القرار في العواصم الكبرى. فحين تجلس فرنسا، إحدى الدول المؤسسة لمجلس الأمن الدولي، لعقد الاجتماع الأول لـ”مجلس الشراكة الاستراتيجي السعودي الفرنسي”، فإنها تعترف عملياً بأن الرياض شريك لا غنى عنه في رسم ملامح الاستقرار الإقليمي والدولي.
هذا المجلس، الذي وُلدت فكرته خلال زيارة الرئيس ماكرون إلى المملكة في ديسمبر ٢٠٢٤، يفتح اليوم أبوابه على ملفات نوعية تمسّ صميم رؤية المملكة لمستقبلها: الطاقة، الصناعة، التقنيات المتقدمة، الطيران، البنية التحتية، إضافةً إلى التعاون الأمني والدفاعي. وهي الملفات نفسها التي تشكّل عصب “رؤية ٢٠٣٠”، تلك الرؤية الطموحة التي حوّلت المملكة من مصدِّر للطاقة فقط إلى قوة اقتصادية وتقنية وصناعية صاعدة، تسعى إلى تنويع شركائها الدوليين وتوطين صناعاتها الدفاعية بثقة الندّ لا بحاجة التابع.
جذور تمتد إلى عام ١٩٢٦
وما يستحق التأمل أن هذه الشراكة لم تُبنَ على عجل، بل هي امتداد طبيعي لعلاقة تمتد جذورها إلى عام ١٩٢٦، حين أقامت المملكة والجمهورية الفرنسية علاقاتهما الدبلوماسية، قبل أن تفتح باريس بعثتها في جدة عام ١٩٣٢. ومن يستحضر زيارة الملك فيصل بن عبد العزيز إلى فرنسا عام ١٩٦٧، ولقاءه التاريخي بالرئيس شارل ديغول، يدرك أن ما يجري اليوم ليس سوى استكمال لمسيرة طويلة من الحكمة السياسية السعودية التي عرفت كيف تبني تحالفاتها بثبات ورؤية، جيلاً بعد جيل.
رسالة إلى الكبار: شريك يُصنع معه المستقبل
إن ما يجعل هذه الزيارة مثيرة لمشاعر الفخر لدى كل سعودي وعربي غيور على مكانة أمته، هو أنها ليست مجرد لقاء بروتوكولي بين قائدين، بل هي شهادة دولية جديدة على أن المملكة، بقيادة الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمين، أصبحت عنواناً للاستقرار والتوازن في منطقة تعصف بها الاضطرابات، وقبلة تتطلع إليها الدول الكبرى حين تبحث عن شريك يوازن بين المصلحة الاقتصادية والحكمة السياسية.
وحين تفتح فرنسا أبوابها أمام رجال الأعمال السعوديين، وحين يلتقي ولي العهد برئيس الوزراء الفرنسي إلى جانب الرئيس، فإن الرسالة واضحة: المملكة لم تعد تطرق أبواب الكبار، بل باتت هي من تُفتح لها الأبواب على مصراعيها، لأن العالم أدرك أخيراً أن الرياض شريك يُصنع معه المستقبل، لا مجرد سوق يُستثمر فيه.
إقرأ أيضاً: جرف الصخر: مهلة تسليم السلاح… و”إنذار أحمر” إيراني (3/3)