معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

100 ألف طفل جنوبي بين المدارس… بلا تعليم: حكاية مريم ونور

المساعدة البصرية: حجم الخط

مريم شبلي بقيت في الجنوب وسجّلت ولديها في مدرستهما المحلية، ونور نقلت عائلتها إلى بيروت من دون أن تفكّ تسجيل أبنائها من مدرسة الجنوب.
بين القرارين، يتقاسم قرابة 100 ألف طفل جنوبي مصيراً معلّقاً على مدرسة تُصلَح أو حرب تتجدد.
مع اقتراب العام الدراسي، يجد أهالي الجنوب أنفسهم أمام قرارات صعبة لا تتعلق فقط بتأمين الأقساط والكتب والقرطاسية، بل أيضاً بمكان تعليم أبنائهم. فبين عائلات تستعد للبقاء في قراها، وأخرى اختارت النزوح إلى بيروت، وثالثة تحاول إبقاء أكثر من خيار مفتوحاً تحسباً لأي تصعيد، يتحول العام الدراسي إلى معادلة مرتبطة بالوضع الأمني والقدرة المالية في آن واحد.
بالنسبة إلى بعض العائلات، لم يعد التسجيل في مدرسة واحدة كافياً لضمان استمرارية تعليم الأبناء، إذ بات احتمال تجدد الحرب حاضراً في قراراتها، ما يدفعها إلى البحث عن بدائل وتأمين مدارس في بيروت تحسباً لأي طارئ. وفي المقابل، تحاول عائلات أخرى الحفاظ على استقرار أبنائها في مدارسهم في الجنوب، على أمل أن يستمر الهدوء وتبقى الحياة التعليمية طبيعية.
وتكشف الأرقام حجم الرهان الذي تخوضه هذه العائلات: فقد حذّرت اليونيسف من أن ما لا يقل عن 100 ألف طفل في لبنان مهددون بعدم العودة إلى مقاعد الدراسة هذا العام، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة لإصلاح المدارس المتضررة قبل بداية العام الدراسي. وبلغ عدد المدارس الرسمية والخاصة المتضررة بفعل القصف نحو 340 إلى 352 مدرسة، بينها ما بين 17 و26 مدرسة دُمّرت بالكامل، موزعة على النبطية والجنوب والبقاع وبعلبك-الهرمل وبيروت وجبل لبنان.
مريم.. باقية في الجنوب ما دام الوضع مستقراً
وتقول مريم شبلي، وهي صيدلانية تعمل في إحدى مستشفيات النبطية، إنها لم تغادر منزلها في كفررمان، واضطرت إلى تسجيل ولديها في مدرستهما في المنطقة، إذ لم تتمكن من النزوح إلى بيروت بسبب طبيعة عملها والتزامها بالحضور في المستشفى.
وتوضح أن قرار البقاء لم يكن سهلاً، خصوصاً مع وجود طفلين ومسؤولية تأمين استقرارهما التعليمي في ظل الظروف الأمنية غير المستقرة. لكنها، في الوقت نفسه، تحاول الحفاظ على استقرار ولديها وعدم نقلهم من مدرستهم طالما أن الظروف تسمح بذلك.
وتشير شبلي إلى أن مدرسة ولديها لم ترفع قيمة الأقساط الدراسية، وهو ما خفف عنها جزءاً من الأعباء المالية، إلا أن المدرسة ستعتمد التعليم عن بُعد في حال تجددت الحرب، ما يعني أن الطفلين سيضطران إلى متابعة دراستهما من المنزل.
وفي المقابل، تقول إن عدداً من المدارس في المنطقة رفع قيمة الأقساط، ما يضيف أعباء جديدة على الأهالي في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. كما تشير إلى أن بعض المدارس اتخذت إجراءات احترازية تحسباً لأي تصعيد، من خلال تأمين أبنية بديلة في بيروت، تمهيداً للانتقال إليها في حال تجددت الحرب وتعذّر استمرار التعليم حضورياً في الجنوب.
وتؤكد شبلي أنه في حال تجددت الحرب، ستضطر إلى النزوح، حفاظاً على سلامتها وسلامة ولديها، ما يعني أن قرار البقاء الحالي يبقى مرتبطاً باستقرار الوضع الأمني.
نور.. العائلة في بيروت والعمل في النبطية
في المقابل، اختارت نور غندور، وهي موظفة في إحدى مستشفيات النبطية، أن تتخذ خطوات احترازية مختلفة. فهي لا تزال تداوم في عملها في الجنوب، وتتنقل إلى النبطية لعدة أيام في الأسبوع، فيما استقرت عائلتها في بيروت تحسباً لأي تطورات أمنية.
وتقول غندور إنها سجّلت ولديها في مدرسة في بيروت، مع إبقاء تسجيلهما في مدرستهما في الجنوب، بانتظار اتضاح الوضع الأمني ومعرفة أين سيتمكنان من متابعة عامهما الدراسي. وبذلك، تحاول العائلة الاستعداد للاحتمالين: البقاء في الجنوب إذا استقر الوضع، أو الانتقال إلى بيروت في حال تجدد الحرب.
إلا أن هذا الخيار الاحترازي لا يخلو من كلفة. فغندور تجد نفسها مضطرة إلى تحمّل أعباء مالية ومصرفية مرتبطة بالأقساط المدرسية، إضافة إلى كلفة السكن والتنقل بين بيروت والجنوب.
ورغم استقرار عائلتها في بيروت، تؤكد غندور أنها لا تعتبر الانتقال خياراً نهائياً، ولا تزال تأمل أن يستقر الوضع في الجنوب وتتمكن عائلتها من العودة إلى منزلها وحياتها الطبيعية.
مدرستان وخياران.. وكلفة واحدة
فالأهل لا يخططون للعام الدراسي وفق ظروف التعليم فقط، بل وفق احتمالات الحرب والنزوح أيضاً. التسجيل في مدرسة أخرى، تأمين سكن في بيروت، دفع الأقساط، أو حتى إبقاء الطفل مسجلاً في مدرستين، كلها إجراءات أصبحت جزءاً من حسابات العائلات التي تحاول ألا تجد نفسها أمام خيار مفاجئ إذا تغير الوضع الأمني.
وتلتقط بيانات النزوح حجم هذا التصعيد: فقد نزح أكثر من مليون شخص من منازلهم منذ اندلاع الحرب في آذار 2026، بينما بلغ عدد من لجأوا إلى مراكز الإيواء وحدها 141 ألفاً و440 شخصاً في ذروة الأزمة، شكّلت المدارس والمؤسسات التربوية أكثر من نصف هذه المراكز — وهو ما يفسّر لجوء عدد من المدارس إلى تأمين أبنية بديلة في بيروت كإجراء احترازي دائم لا استثنائي. وفي هذا السياق، أصدرت وزارة التربية تعميماً يسمح للمدارس بالجمع بين التعليم الحضوري وعن بُعد والمدمج “وفق ظروف كل منطقة”، ضمن خطتها للعام الدراسي 2026-2027، ما يمنح غطاءً رسمياً لقرارات مريم ونور الفردية.
وفي حين تستعد المدارس لسيناريوهات مختلفة، يبقى الأهالي أمام سؤال أساسي: هل سيبدأ العام الدراسي في الجنوب بشكل طبيعي، أم أن الحرب ستفرض من جديد تغيير المدارس ومكان السكن وطريقة التعليم؟
وهكذا، لا تبدو العودة إلى المدرسة بالنسبة إلى أبناء الجنوب مجرد بداية لعام دراسي جديد، بل اختباراً جديداً لقدرة العائلات على تحقيق الاستقرار وسط واقع أمني واقتصادي لا يزال مفتوحاً على أكثر من احتمال.