معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

مطار القليعات: هل فعلاً حصلت ديما صادق على “مخالفة” لزوجها؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

في مطار القليعات، لم تقلع الرحلات بعد… لكن الاتهامات سبقتها إلى المدرج.
ترخيص لشركة يملكها زوج  الإعلامية ديما صادق كان كافياً لفتح ملف “العطية السياسية”. فهل هناك مخالفة فعلاً، أم أنّ الضجيج أقلع قبل الوقائع؟

ما زال الترخيص الذي منحته الحكومة لشركة “IBEX Air Charter” لتسيير رحلات دولية من مطار القليعات يتفاعل في الأجواء اللبنانية، بعدما وجّهت وسائل إعلام  لبنانية أصابع الاتهام إلى حكومة نواف سلام بمنح “عطية سياسية” للإعلامية ديما صادق وزوجها أحمد حسين الحاج، صاحب الشركة، مستندة إلى غياب أي مناقصة أو رأي معلن لهيئة الشراء العام.

لكن هل نحن فعلاً أمام صفقة سياسية أم أن القضية تقوم أساساً على خلط قانوني بين الترخيص الإداري وعقد التلزيم؟

إذا افترضنا حسن النية من وسائل إعلام معروف عنها التصويب على رئيس الحكومة نواف سلام وعلى جميع الشيعة المعارضين في مقال ظنت أنها تضرب فيه (عصفورين بحجر). لكن هل أصاب الحجر الحكومة وصادق أم أنّه عاد أدراجه إلى وسائل الإعلام نفسها التي أوردت اتهاماً من دون حجة قانونية؟

للوقوف على تفاصيل القضية،  كان لموقع الدولة اتصال برئيس هيئة الشراء العام السابق جان علية والذي رفض التعليق على الموضوع “لأنه لم يحصل عبر الهيئة ولا معلومات لدى الهيئة عنه”.

الرواية الحكومية

تؤكد مصادر حكومية لـ”الدولة” أنّ شركة آيبكس إير تشارتر مرخص لها بالعمل في قطاع النقل الجوي منذ نحو عشرين عاماً، وتحمل شهادة مستثمر جوي (AOC) صادرة عن المديرية العامة للطيران المدني.

وتوضّح أنّ قرار مجلس الوزراء الصادر بتاريخ 9 تموز 2026 لا يشكل عقد تلزيم مع الدولة، بل هو مجرد ترخيص لاستثمار النقل الجوي الدولي المنتظم بين مطار الشهيد الرئيس رينيه معوض – القليعات والخارج وبالعكس، وبالتالي فهو لا يخضع لقانون الشراء العام ولا يستوجب إجراء مناقصة أو مزايدة. وأضافت أن نشاط النقل الجوي يخضع أساساً لترخيص مسبق وفق اتفاقية شيكاغو للطيران المدني لعام 1944 وقانون إدارة قطاع الطيران المدني رقم 481/2002، وأن الشركة تقدمت بطلبها وفق هذه الأصول.

كما شدّدت المصادر الحكومية على أنّ الترخيص يبقى مشروطاً باستيفاء المتطلبات الفنية التي تراقبها الهيئة الناظمة للطيران المدني، ولا يمنح الشركة أي حق حصري، إذ يحق لأي شركة لبنانية أخرى تستوفي الشروط أن تتقدم بطلب مماثل.

ما هو ردّ الشركة؟

من جهتها، اتصلنا بالإعلامية ديما صادق ليكون لها حقّ الردّ. لكنّها فضّلت عدم التعليق، فيما أكد زوجها أحمد حسين الحاج أنّه يكتفي بما ورد في بيان الشركة.

وكانت “آيبكس إير تشارتر” قد أكدت في بيان سابق أنّ ما نشر بشأن الترخيص “تم بشكل خاطئ لا يمت إلى المهنية بصلة”، مشدّدة على أنّ القرار لا يمنحها أي امتياز حصري، وأنّ الباب مفتوح أمام أي شركة تستوفي الشروط القانونية للحصول على الترخيص نفسه.

واعتبرت الشركة أنّ ما أثير حول الملف تضمن “افتراءات وأكاذيب”، مؤكدة أنّها اضطرّت إلى إصدار توضيحاتها “لوضع حدّ لهذه الأكاذيب والافتراءات الصادرة عن بعض الغرف المظلمة”، معلنة احتفاظها بحقها في اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة.

الإطار القانوني: سمرجيان يوضح

لفهم الخلفية القانونية للجدل، يوضح المحامي والناشط السياسي ليون سمرجيان، في حديث لموقع “الدولة”، أنّه بمجرد عدم مرور الملف عبر هيئة الشراء العام فإنّ هذا يضع إشارات استفهام قانونية على الموضوع، وبطريقة أو بأخرى يثير شكوكاً كان يمكن تفاديها عبر مروره القانوني بالهيئة. لكن برأيه أنّ أصل الإشكالية يكمن في الخلط بين ثلاثة مفاهيم قانونية مختلفة: الترخيص الإداري، والتلزيم، والامتياز.

ويشرح أن الترخيص الإداري هو عمل إداري انفرادي تصدره الدولة من جانب واحد، من دون أي تعاقد مع الجهة المستفيدة. فالدولة لا تشتري خدمة ولا تدفع أي مقابل مالي، بل تتحقق من استيفاء طالب الترخيص للشروط الفنية والقانونية التي يفرضها القانون، ثم تسمح له بممارسة نشاط منظّم أصلاً، كما هو الحال في قطاع الطيران المدني. لذلك، فإنّ المرجعية القانونية هنا ليست قانون الشراء العام، بل القوانين القطاعية، وفي مقدمتها قانون إدارة قطاع الطيران المدني رقم 481/2002 واتفاقية شيكاغو لعام 1944.

أما التلزيم، فهو عقد ثنائي بين الدولة والمتعهد، تشتري الدولة بموجبه خدمة أو أشغالاً أو سلعة مقابل بدل مالي من الخزينة العامة، وهنا يصبح تطبيق قانون الشراء العام وإجراء المنافسة بين المتقدمين أمراً إلزامياً حمايةً للمال العام.

في المقابل، يوضح أنّ الامتياز هو صيغة مختلفة أيضاً، تمنح فيها الدولة جهة خاصة حقّ استثمار مرفق عام لفترة محددة، وغالباً ما يرتب نوعاً من الحصرية، ما يفرض بدوره إجراءات تنافسية وشفافة.

وانطلاقاً من هذا التمييز، يرى سمرجيان أن قرار مجلس الوزراء، من حيث الشكل القانوني البحت، يندرج ضمن خانة الترخيص الإداري وليس عقد تلزيم، وبالتالي فإن ربطه تلقائياً بالمناقصة أو بقانون الشراء العام ليس دقيقاً من الناحية القانونية.

علامات استفهام

سمرجيان يشدّد في الوقت نفسه على أنّ هذا الاستنتاج لا يعني إقفال الملف أو إسقاط كل علامات الاستفهام، قائلاً: “رأيي الشخصي لا يتفق مع الطريقة التي عالجت بها وسائل الإعلام الموضوع، لأن هناك فرقاً جوهرياً بين طرح الأسئلة والتشكيك المشروع، وهو حق مكفول لأي إعلام حرّ، وبين إصدار حكم قاطع يصل حدّ اتهام رئيس الحكومة بمنح “عطية سياسية”، من دون سند قانوني واضح يثبت هذا الاتهام. فالترخيص هو عمل إداري تنظيمي وليس عقد تلزيم، ولا يمنح أي حصرية لأحد، وهذه نقطة أساسية يجب أن تُقال بوضوح ومن دون مواربة، لأن الخلط بين المفهومين هو ما بُني عليه جزء كبير من حملة التشكيك”.

ويضيف أنّ ذلك لا يعني أيضاً أن الملف أصبح من الماضي، موضحاً: “لا أستطيع القول إن التشكيك بالكامل كان بلا أي مبرر، لأن بيئة القرار نفسها تسمح بنشوء الشكوك. بل إنّ الاختبار الحقيقي سيكون في ما إذا كانت شركات أخرى تستوفي الشروط ستتمكن لاحقاً من الحصول على تراخيص مماثلة”.

ويتابع أنّ الصورة الحالية تبقى قابلة للتبدل، لأنّ منح تراخيص لشركات أخرى سيؤكد أن القرار يشكل مبدأً عاماً يطبق على الجميع، أما إذا بقي الترخيص حالة وحيدة، فقد تتعزز الشكوك بدلاً من أن تتراجع.

ويختم سمرجيان بالتأكيد على أنّ “المشكلة الحقيقية ليست في الترخيص كقرار قانوني بحد ذاته، بل في غياب الآلية الرقابية الفاعلة التي تجعل كل قرار من هذا النوع عرضة للشك والتأويل. وهذا هو ما ينبغي أن يتغير، لا القرار نفسه”.