معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

مسيّرات الحزب تدمّر النبطية.. فقط لضرب التفاوض؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

بينما يُحصي الجنوب جثثه وركام بيوته، يُطرح سؤال لم يعد بالإمكان تأجيله: ما الذي جنته “المسيّرات” التي يطلقها الحزب كل يومين فعلاً، بخلاف موت الناس وتهجيرهم؟

 

حساب الربح والخسارة

منذ الثاني من آذار/مارس 2026، دخل جنوب لبنان في دوّامة دمار غير مسبوقة: أكثر من أربعة آلاف قتيل، واثنا عشر ألف جريح، ومليون نازح، وفق الأرقام الرسمية اللبنانية نفسها. كل ذلك تحت عنوان “الردّ” على مقتل خامنئي، وكل ذلك من دون أن يُسأل أحد داخل “الحزب”: ما هو المردود العسكري الفعلي لهذه العمليات؟ هل غيّرت موازين ميدانية واحدة؟ هل أخّرت احتلالاً واحداً؟ أم أنها كانت، كما كانت دائماً، وقوداً لعدوان إسرائيلي أعنف، يدفع ثمنه الفلاح في الخيام والتاجر في صور والمزارع في بنت جبيل؟

البطولة التي تُدار من بعيد

الحقيقة المُرّة أن قرار إطلاق المسيّرات المتكرّر لم يكن يوماً قراراً لبنانياً،  بل امتداداً لحسابات إقليمية إيرانية، أُريد للجنوب أن يدفع كلفتها بالدم والحجر. وحين تُطلق طائرة مسيّرة باتجاه القوات الإسرائيلية، فإن الجواب الإسرائيلي لا يأتي على تلك المسيّرة نفسها، بل على قرية بأكملها، وعلى عائلة نائمة، وعلى مدرسة أو مستشفى. فأين الحكمة العسكرية في معادلة كهذه؟ وأين “توازن الردع” الذي طالما بُشّرنا به، حين تكون النتيجة الوحيدة القابلة للقياس هي خرائط جديدة من الأنقاض؟

الافتراء الذي لم يعد يُقنع أحداً

كل عملية تُغلَّف بتسوين “اليطولة”: ضمود علي الطاهر، “تدمير آليّة”، “استهداف موقع”، “إيقاع خسائر في صفوف العدو”. لكن من يزور الجنوب اليوم لا يرى نصراً، بل يرى مقابر جديدة وأسواقاً مقفلة وأطفالاً بلا مدارس.

الفجوة بين الخطاب الإعلامي والواقع على الأرض لم تعد قابلة للتجسير، وأصبح الافتراء على الناس، بتصوير الدمار إنجازاً والتهجير صموداً، جزءاً من الكارثة نفسها، لا مجرد تفصيل هامشي فيها.

من يدفع الفاتورة، ومن يقرر الحرب؟

المفارقة الأقسى أن الذين يقررون متى تُطلق هذه العمليات ليسوا الذين يسكنون تحت القصف. القرار في طهران أو في غرفة عمليات مغلقة، والفاتورة في مستشفيات النبطية وبلداتها. هذه المعادلة، وحدها، كافية لطرح السؤال الذي يتهرّب منه “الحزب” دائماً: هل ما زال الجنوب ساحة لتحرير أرضه، أم مجرد رقعة تُستخدم لتصفية حسابات لا علاقة للبنانيين بها؟

لا أحد يطالب بالاستسلام أمام الاحتلال، لكن أحداً أيضاً لا يملك حق المقامرة بحياة الناس من دون حساب واضح للربح والخسارة.

الجنوب ليس ورقة تفاوض إقليمية، وأهله ليسوا وقوداً لحرب لم يختاروها. وحدها المساءلة الصريحة، لا البيانات الرنّانة، تستطيع أن تعيد الاعتبار لدم لم يعد يحتمل مزيداً من التبرير خلال سفكه.

 

إقرأ أيضاً: ريما الرحباني تدمّر إرث فيروز وعاصي وزياد الوطني.. وتنحاز للسلاح