لم يعد العمل في لبنان يعني بالضرورة حياة مستقرة أو قدرة على التخطيط للمستقبل. فمع ارتفاع كلفة المعيشة، بات كثير من اللبنانيين يعملون لساعات أطول، لا ليحسّنوا مستوى حياتهم، بل ليتمكنوا من تأمين الأساسيات.
الراتب الذي كان يكفي في السابق لتغطية عدد من الحاجات بالنسبة إلى الموظف اللبناني “العادي”، بات اليوم يتوزّع بين الكهرباء والمحروقات والطعام والطبابة والتعليم وسائر المصاريف اليومية، فيما يبقى الادخار أو تحقيق أي هدف شخصي أمراً صعباً.
الكهرباء… فاتورة لا يمكن تأجيلها
من أكثر المصاريف التي فرضت نفسها على حياة اللبنانيين فاتورة الكهرباء، بين اشتراك المولد الخاص وكلفة كهرباء الدولة، إضافة إلى ارتفاع أسعار المحروقات التي تنعكس بشكل مباشر على كلفة تشغيل المولدات والنقل وسائر الخدمات.
وبين راتب ثابت ومصاريف تتغير باستمرار، يجد الموظف نفسه أمام معادلة صعبة: كلما ارتفعت كلفة خدمة أساسية، اقتطعت جزءاً جديداً من دخله.
ربطة الخبز: ارتفاع دائم
لم تتوقف الضغوط عند الكهرباء والمحروقات، إذ عاد الحديث أيضاً عن كلفة ربطة الخبز، مع ارتفاع كلفة تشغيل الأفران. فقد طالب اتحاد نقابات الأفران والمخابز باحتساب الكلفة الفعلية لإنتاج الخبز، في ظل ارتفاع أسعار المحروقات وسائر كلفة التشغيل، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على استقرار سعر الربطة.
فقد انخفض سعر ربطة الخبز الوسط في حزيران المضي إلى 70 ألف ليرة لبنانية (80 سنت تقريباً)، قبل أن يعود إلى 75 ألفاً في تموز نتيجة ارتفاع كلفة المحروقات. ومع ارتفاع أسعار المازوت عالمياً، عاد احتمال تعديل السعر إلى الواجهة، من دون أن يعني ذلك وجود قرار رسمي جديد برفعه حتى الآن.
قد تبدو أي زيادة في سعر ربطة الخبز محدودة عند شرائها بشكل منفرد، لكنها تصبح أكثر وضوحاً عند احتسابها ضمن المصاريف الشهرية للعائلة. فالخبز مادة أساسية لا يمكن حذفها ببساطة من قائمة المشتريات أو تأجيل شرائها. كما أنّ الخبز ضروري ليشبع الفقراء، لأنّه يقلّل من كلفة اللحوم، في وجبات الفقراء التي تفتقر إلى البروتين الحيواني بشكل كافٍ.
هكذا، لا تأتي الضغوط دائماً على شكل زيادة كبيرة واحدة، بل تتراكم من تفاصيل صغيرة: فاتورة كهرباء أعلى، بنزين أغلى، وربما ربطة خبز بسعر مختلف، لتجد العائلة نفسها في نهاية الشهر أمام مصاريف تفوق قدرتها على الاحتمال.
وليد: “أنا بعمر الزواج، بس ما فيي اتزوج”
وليد شاب في أواخر العشرينيات، يعمل في القطاع الخاص، في شركة أدوات طبية في ضواحي بيروت الشرقية. يشرح أنّ المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بقدرته على تأمين الكماليات، بل بالخطوات الأساسية التي يفترض أن يبدأ بها حياته.
ويضيف: “أنا في سنّ الزواج، بس ما فيي إتزوّج. ما عندي بيت، وراتبي بالكاد بيكفيني مصاريفي الشخصية”.
بالنسبة إليه، فكرة الزواج لم تعد مرتبطة فقط بالعثور على الشريك المناسب، بل أصبحت تحتاج إلى قدرة مالية على استئجار منزل وتأمين المصاريف اليومية، وهو ما يعتبره أمراً صعباً في ظل دخله الحالي.
ويتابع أنّ التفكير بالمستقبل أصبح مؤجلاً، لأنّ الأولوية اليوم هي أن يتمكن من تغطية مصاريفه الأساسية من دون أن يدخل في ديون أو التزامات إضافية.
رنا: “راتبي بيخلص بأيام”
رنا امرأة في الأربعين من عمرها. تعمل في إحدى شركات القطاع العام، فتعيش المشكلة من زاوية مختلفة. هي متزوّجة ولديها عائلة، وقد تمكّنت مع زوجها من شراء منزل بالتقسيط، إلا أن الراتب الذي تتقاضاه اليوم لم يعد يمنحها المساحة نفسها التي كان يوفرها سابقاً: “راتبي ينتهي خلال أيام. بين المصاريف والبيت وكلّ شي، ما بقى بيضل منه شي تقريباً”.
وتشير إلى أنّها اضطرت إلى التوقف عن الاستعانة بمساعدة منزلية، لأنّ راتبها بات يقترب من كلفة العاملة نفسها، ولم تعد قادرة على تحمّل المصروفين معاً.
لكن المشكلة بالنسبة إليها لا تتوقف عند المصاريف. فهي لا تستطيع ببساطة ترك وظيفتها والبحث عن عمل آخر، كما أنّ مسؤولياتها العائلية لا تسمح لها بإضافة عمل ثانٍ بسهولة.
وتقول إنّها وزملاءها يجدون أنفسهم أمام خيارين صعبين: إما أن يبقى أحدهم في عمله رغم أن الدخل لم يعد يكفي، أو يخاطر بتركه من دون ضمانة لفرصة أفضل.
فقر العامل… عندما لا يكفي العمل للخروج من الضيق
يشرح الخبير الاقتصادي الدكتور أنيس بو دياب أنّ المشكلة الأساسية تكمن في تآكل الدخل الحقيقي للمواطن، بسبب التضخّم وارتفاع الأسعاء. أي أن قيمة ما يتقاضاه الموظف اللبناني فعلياً أصبحت أقل بكثير أمام ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
ويشير إلى أن التضخم لم يعد يطال المواد الغذائية فقط، بل امتد إلى قطاعات أساسية مثل السكن والتعليم والخدمات. ووفق الأرقام التي يستند إليها، ارتفعت كلفة السكن، كما شهدت الإيجارات ارتفاعاً ملحوظاً، فيما شكّلت قطاعات السكن والتعليم والخدمات نسبة كبيرة من التضخم السنوي.
بحسب مؤشر أسعار المستهلك في تموز 2026، يقول بو دياب في حديث لموقع “الدّولة”، أنّ الأسعار ارتفعت بنسبة 15.69% على أساس سنوي، مع ارتفاع كلفة التعليم بنسبة 35.72%، والنقل بنسبة 27.61%، والمياه والكهرباء والغاز والمحروقات بنسبة 20.76%.
ويضع بو دياب هذه الحالة ضمن مفهوم “فقر العامل”، أي أن يكون الشخص عاملاً ولديه دخل، لكنه رغم ذلك لا يتمكن من تأمين مستوى معيشي مستقر بسبب ارتفاع كلفة الحياة بوتيرة أسرع من دخله.
يعمل أكثر… ويحصل على أقل
المشكلة إذاً لم تعد في عدم العمل، بل في أن العمل نفسه لم يعد يضمن بالضرورة الأمان الذي يفترض أن يوفره.
فوليد يؤجل الزواج، ورنا تتخلى عن بعض الخدمات التي كانت تحتاجها، وعائلات أخرى تعيد حساباتها عند كل فاتورة وكل زيادة جديدة.
وفي بلد تتغير فيه الأسعار بوتيرة أسرع من قدرة الناس على تعديل رواتبهم، يتحول الدخل من وسيلة لبناء المستقبل إلى وسيلة للبقاء حتى نهاية الشهر.
اللبناني اليوم لا يركض لأنه يريد المزيد فقط، بل لأنه يحاول أن يبقى مكانه. والمشكلة أنه، مهما ركض، يبدو أن المسافة بين الدخل والتضخّم تزداد اتساعاً.
إقرأ أيضاً: تراند الثمانينات: لماذا نشتاق إلى الماضي؟