في كل مرة يريد فيها حزب الله أن يذكّر اللبنانيين بأنه لم يخسر هيبته، يختار مسرحاً مختلفاً وشعاراً جديداً، لكن النتيجة واحدة: صفوف منضبطة، ألوان موحدة، ورسالة واحدة لا تتغير: باقون لنثأر..
اصطفّت عشرات النساء معصوبات العيون، بعباءات سوداء وحقائب موحدة، عند صالة المغادرة الرئيسية في مطار رفيق الحريري الدولي، حاملات شعار “يا لثارات الحسين” على ضمادات حمراء غطّت أعينهن. المشهد، الذي وثّقته عدة كاميرات ونُشر على نطاق واسع عبر مواقع التواصل، شكّل استعراضاً تنظيمياً لـ”حزب الله”، رغم محاولة القائمين عليه فصله عن اسم الحزب والاكتفاء بوصفه “تنظيماً لبنانياً”.
المناسبة والتوقيت
جاء الحدث تزامناً مع انطلاق رحلة زوار من بيروت إلى كربلاء والنجف في العراق، وفي إطار وقفة تضامنية مع جرحى مجزرة “البايجر” التي استهدفت عناصر الحزب قبل عامين، وتسبّبت بفقدان بعضهم البصر. أحد المقاطع المصورة نقل تعليق أحد الموظفين الذي قال إنه لم يشهد خلال ٣٧ عاماً من عمله تنظيماً بهذا الانضباط..
لماذا هذه الأماكن تحديداً؟
اختيار المرافق العامة كمسرح للاستعراض ليس طارئاً. ففي الأشهر الأخيرة، لجأ الحزب مراراً إلى فضاءات تُعتبر ملكاً عاماً أو واجهة رسمية للبلد: المدينة الرياضية، صخرة الروشة، ومطار بيروت الدولي. هذا التكرار يحمل رسالة تتجاوز المناسبة الدينية أو التضامنية المعلنة: إنه إعلان حضور في القلب الرمزي للدولة اللبنانية نفسها، لا في الهامش أو في مناطق نفوذه التقليدية فحسب.
هوس التنظيم والاستنساخ
اللافت في هذا النوع من الفعاليات هو التماثل الحرفي: الزي نفسه، الألوان نفسها، الشعارات نفسها، وحتى التصريحات أمام الكاميرات تكاد تتطابق من مناسبة إلى أخرى. هذا النمط لا يقتصر على فئة عمرية واحدة، بل يمتد ليشمل الأطفال والنساء والرجال والمسنين على حد سواء، في ما يشبه عملية استنساخ منهجي للمشهد ذاته عبر الأجيال والفئات، بما يوحي بدرجة عالية من العسكرة والانضباط التنظيمي حتى في الفعاليات ذات الطابع الديني أو التضامني الظاهري.
الرسالة السياسية وراء التكرار
يبدو أنّ الحزب يتعمّد تكرار هذا النوع من المشاهد بشكل دوري، مستنداً كل مرة إلى ذكرى أو مناسبة مختلفة، في محاولة لترسيخ عدة رسائل في آن: أنه لم يُهزم رغم الضربات العسكرية الإسرائيلية والحصار المالي والدولي ومحاولات العزل المحلية، وأنه لا يزال قادراً على الحشد والتنظيم بالقدر نفسه، وأنّ عقيدته لم تهتز، وأنّ لديه أجيالاً جديدة جاهزة لحمل راية “الثأر”. وتحمل هذه الاستعراضات، في العمق، رسالة موجّهة إلى الداخل اللبناني قبل الخارج: أنّ هيبة الحزب وحضوره يجب أن يُحسب لهما حساب في أي معادلة سياسية داخلية.