لم تكن الحرب الأخيرة مجرد مواجهة عسكرية انتهت بوقف نار أو تفاوض على ترتيبات جنوبية جديدة. داخل البيئة الشيعية نفسها، فتحت الحرب سؤالاً أكثر حساسية: ماذا يحدث عندما تتعرّض القوة التي حكمت ميزان القرار لسنوات لضغط يجعلها بحاجة إلى السياسة أكثر من أي وقت مضى؟
نبيه بري في موقع مختلف
الرجل الذي اعتادت الثنائية الشيعية أن تقدمه شريكاً سياسياً لحزب الله، يجد نفسه بعد الحرب في وضع قد يكون أكثر تعقيداً بكثير: حزب الله ما زال يحتفظ بما تبقى من سلاحه، لكن هذه القوة لم تعد وحدها كافية لإدارة المرحلة التالية. أما بري، الذي يمتلك البرلمان، وموقعاً دستورياً مركزياً، وشبكة علاقات سياسية لبنانية وعربية ودولية، فقد أصبح أحد المفاتيح التي لا يستطيع الحزب تجاوزها بسهولة في التفاوض مع الدولة والخارج.
في حزيران، مرّت عبر بري تفاهمات مرتبطة بوقف الهجمات بين واشنطن وحزب الله، ثم دخل الرجل في صلب النقاش حول الجنوب والانسحاب وانتشار الجيش وإعادة الإعمار. وفي المقابل، ظل حزب الله طرفاً أساسياً في رفض بعض الصيغ المطروحة. لكن الصورة الجديدة تكمن في شيء آخر: من كان يمتلك فائض القوة بات يحتاج إلى من يمتلك قناة السياسة.
فهل نحن أمام مجرّد إعادة توزيع للوظائف داخل الثنائية، أم أنّ الحرب بدأت للمرة الأولى تفتح أمام بري إمكانية انتزاع جزء من القرار الذي راكم حزب الله ثقله حوله طوال سنوات؟
حين تنقلب معادلة الحاجة
لفهم هذا التحول، يجب النظر أولاً إلى ميزان الاعتماد المتبادل،
فلسنوات طويلة، كان حزب الله يمتلك ما لا يملكه بري: القوة العسكرية، القدرة على فرض معادلات أمنية، والقدرة على جعل خياراته الاستراتيجية عاملاً لا يمكن تجاوزه في الحياة السياسية اللبنانية. أما بري، فكان يمتلك الدولة والبرلمان والتفاوض، لكن هذه الأدوات كانت تعمل إلى حد كبير داخل بيئة قوة فرض حزب الله فيها إيقاعاً استراتيجياً أوسع وقد غيّرت الحرب هذه المعادلة جزئيا.
فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها التفاوض على الانسحاب، ولا إدارة العلاقة مع رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان، ولا تأمين التمويل لإعادة الإعمار، ولا التعامل مع الوسطاء الدوليين، ولا إعادة بناء شرعية سياسية في مرحلة ما بعد الحرب وهنا تحديداً ارتفعت قيمة بري..
كيف تبدّلت المواقع؟
لم يعد السؤال فقط ماذا يستطيع حزب الله أن يفرض، بل ماذا يستطيع بري أن ينتزع سياسياً من موقعه في الدولة عندما يصبح الحزب بحاجة إليه لإدارة نتائج القوة التي يمتلكها.
هذه هي النقطة التي قد تجعل الحديث عن “افتكاك” الهامش السياسي أكثر من مجرد مبالغة صحافية.
فبري لا يحتاج إلى إعلان الانقلاب على حزب الله كي يوسّع نفوذه. يكفي أن تصبح القضايا التي كانت تُحسم داخل ميزان القوّة العسكري بحاجة إلى موافقة الدولة والتفاوض والبرلمان والوسطاء. عندها يتحول الموقع الذي كان يبدو أقل قوة إلى موقع أكثر قيمة.
ظهور التمايز داخل المؤسسات
في جلسة الثقة بحكومة نواف سلام في ١٦ أيلول، منحت كتلة حركة أمل الحكومة الثقة، بينما غادر نواب حزب الله الجلسة من دون المشاركة في التصويت. قد لا يكون ذلك إعلاناً عن افتراق سياسي، لكنه يكشف أنّ الحركة والحزب لا يتحركان دائماً بالطريقة نفسها عندما يصل الأمر إلى المؤسسات الدستورية وهذه التفاصيل الصغيرة تصبح كبيرة عندما توضع في سياق أوسع.
فإذا كان حزب الله يملك السلاح والقوة التنظيمية، فإنّ بري يملك شيئاً آخر: القدرة على تحويل القوة إلى تفاوض، والتفاوض إلى تسوية، والتسوية إلى صيغة داخل الدولة.
ومن هنا يمكن أن تبدأ إعادة توزيع حقيقية للنفوذ، حتى من دون مواجهة مباشرة بين الرجلين أو بين أمل وحزب الله.
ثلاثة احتمالات: أي منها الأكثر خطورة؟
الاحتمال الأول أن تكون الحرب قد أنتجت تقسيم عمل جديداً لا أكثر:
حزب الله يحتفظ بالقرار العسكري والاستراتيجي، فيما يتولى بري الجزء السياسي والتفاوضي. في هذه الحالة لا يكون هناك “انتزاع” للقرار، بل توزيع أكثر وضوحاً للوظائف.
الاحتمال الثاني أكثر عمقاً: افتكاك تدريجي للهامش السياسي.
هنا لا يحاول بري إسقاط حزب الله، ولا فك الارتباط بإيران، ولا إعلان نفسه بديلاً عنه. ما يحاول استعادته هو المساحة التي تراجعت مع صعود الوزن العسكري للحزب: القرار السياسي الشيعي داخل الدولة.
وهذا يمكن أن يبدأ من ملفات تبدو تقنية: الجنوب، انتشار الجيش، إعادة الإعمار، العلاقات العربية، الحكومة، البرلمان، والانتخابات. لكن تراكم هذه الملفات قد ينتج شيئاً أكبر بكثير من مجموعها: انتقال جزء من مركز صناعة القرار من خارج الدولة إلى داخلها.
أما الاحتمال الثالث، فهو أن يكون بري صمام أمان للحزب أكثر منه منافساً له:
قد يكون الحزب بحاجة إلى بري تحديداً لأنه يستطيع تأمين مخرج سياسي لا تستطيع القوة المسلحة وحدها تأمينه. لكن المفارقة أنّ حماية الحزب سياسياً يمكن أن تمنح بري في الوقت نفسه نفوذاً أكبر عليه.
وهنا تصبح الحدود بين “الإنقاذ” و”إعادة توزيع القوة” شديدة الدقة،
فقد يدخل بري المرحلة بوصفه الرجل الذي يساعد الحزب على الخروج من الأزمة، ويخرج منها بوصفه الرجل الذي أصبح قادراً على التأثير في شروط هذا الخروج.
الجنوب هو مكان الحسم
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان بري يتحدّث عن الدولة، بل هل يستطيع تحويل هذا الكلام إلى ترتيبات دائمة تجعل الجيش والمؤسسات اللبنانية أصحاب الدور الحاسم في الأمن والقرار جنوباً.
موقف بري من ترتيبات الجنوب يكشف بالفعل مساحة الحركة الجديدة، لكنه يكشف أيضاً حدودها. فهو تحدث عن إخلاء المنطقة جنوب الليطاني من السلاح وانتشار الجيش، لكنه ربط ذلك بانسحاب إسرائيلي متزامن، ورفض صيغاً اعتبرها تفرض ترتيبات أحادية على لبنان.
أي أنّ بري لم يتحول إلى خصم لحزب الله، لكنه أصبح لاعباً أساسياً في تحديد الشروط التي يمكن أن يخرج الحزب بموجبها من بعض ترتيبات ما بعد الحرب.
وهذا فرق جوهري..في الماضي، كان السؤال غالباً: ماذا يريد حزب الله؟،
أما الآن، في بعض الملفات، فقد أصبح السؤال: ماذا يستطيع بري أن يقبل به نيابة عن الثنائي، وماذا يستطيع أن يرفضه؟
إذا استمر هذا التحول، فإنّ موقع بري لن يكون مجرد وظيفة تفاوضية مؤقتة، سيصبح مصدراً مستقلاً للنفوذ.
من يملك مفاتيح اليوم التالي؟
قد تكون المعركة الأهم بعد الحرب ليست على خطوط الجبهة، بل على من يدير آثارها:
إعادة الإعمار، عودة السكان، التعويضات، التمويل الدولي والعربي، إعادة بناء الجنوب، وعلاقة المناطق المتضررة بالدولة، كلها ملفات يمكن أن تعيد تشكيل الولاءات السياسية.
ومن ينجح في جعل الدولة هي العنوان الذي تمر عبره هذه العملية، يملك فرصة لتوسيع نفوذه داخل البيئة التي دفعت الكلفة الأكبر للحرب.
وهنا تحديداً يمكن أن يتحول بري من شريك سياسي لحزب الله إلى منافس على تعريف المرحلة التالية.
ليس بالضرورة منافساً على قيادة المقاومة أو على السلاح، بل على شيء أكثر أهمية سياسياً: من يتحدث باسم الشيعة عندما يصبح المطلوب التفاوض مع الدولة والعالم لا إدارة الحرب؟
هذه ليست معركة معلنة بين بري وحزب الله. وربما لا يريد أي منهما إعلانها أصلاً.
لكن الصراعات السياسية الكبرى لا تبدأ دائماً ببيان انفصال. أحياناً تبدأ بتغيير صغير في وظيفة كل طرف، ثم يتحول اختلاف الوظائف إلى اختلاف في المصالح، ثم يصبح اختلاف المصالح اختلافاً في القرار.
المفارقة التي قد تقلب الثنائية
المفارقة الكبرى أنّ الحرب ربما لم تضعف حزب الله فقط في الملفات التي خسر فيها هامش الحركة، بل أعادت أيضاً رفع قيمة الطرف الذي كان يحتاج إليه الحزب لإدارة هذه الخسارة السياسية:
كلما احتاج حزب الله إلى بري للتفاوض، ازداد وزن بري.
وكلما أصبحت الدولة ضرورية لإدارة ما بعد الحرب، ازدادت قيمة موقع بري داخلها.
وكلما احتاجت إعادة الإعمار إلى قنوات عربية ودولية، أصبح موقع بري التفاوضي أكثر أهمية.
وكلما احتاج الحزب إلى غطاء سياسي للخروج من الأزمة، أصبح صاحب الغطاء شريكاً في تحديد شروط الخروج.
وهنا يصبح عنوان المرحلة أكثر وضوحاً: قد لا يكون الصراع المقبل بين بري وحزب الله على السلاح، بل على من يملك القرار الذي يأتي بعد السلاح.
ماذا تقول الوقائع؟
حتّى الآن، لا تكفي الوقائع للقول إنّ بري انتزع القرار الشيعي من حزب الله. لكنها تكفي لطرح سؤال كان يبدو قبل الحرب أقل واقعية: هل بدأت القوة السياسية داخل الثنائية تتحرك للمرة الأولى لمصلحة من يملك الدولة والتفاوض، على حساب من امتلك لسنوات فائض القوة العسكرية؟
الإجابة لن تأتي من التصريحات، بل من الجنوب، وإعادة الإعمار، وعلاقة الثنائي بالحكومة، ومدى استقلالية حركة أمل، ثم من شكل التحالفات والخطاب واللوائح في الانتخابات المقبلة.
إذا تحولت هذه المؤشرات إلى مسار مستمر، فلن يكون ما حدث مجرد إعادة توزيع للوظائف بل سيكون بداية إعادة توزيع للنفوذ نفسه..
وعندها قد يصبح السؤال الذي يبدو اليوم صدامياً أكثر من اللازم سؤالاً واقعياً لا مفر من مواجهته:
بعد الحرب، هل بدأ بري انتزاع القرار الشيعي من حزب الله؟
إقرأ أيضاً: ٤ أسابيع من نقل المتفجرات… كيف دمّر الجيش الإسرائيلي أنفاق علي الطاهر؟