معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

أهالي حبوش في مواجهة مطمر الكفور: “يقتلنا ويقتل أطفالنا”

المساعدة البصرية: حجم الخط

تعاقبت على وادي الكفور حكوماتٌ ووزراء، ومرّ بها نوابٌ ورؤساء بلديات وقادة أحزاب، فاشتعلت حروب وخمدت، وتبدّلت تحالفات وخرائط نفوذ، فيما بقي المطمر وحده ثابتاً: دخانٌ يتصاعد فوق النبطية وقراها، وروائح تخترق البيوت، ومخاوف يردّدها الأهالي من أمراض خبيثة تتسلّل إلى أجسادهم وأجساد أطفالهم…

 

“يقتلنا ويقتل أطفالنا”

رفع أهالي بلدة حبوش الصوت مجدّداً في وجه الحرق العشوائي للنفايات في مكب الكفور، مؤكدين في بيان أنّ الأدخنة الكثيفة والانبعاثات الخانقة باتت تجتاح الأحياء السكنية وتهدّد الأطفال وكبار السن. وعقد عدد منهم اجتماعاً طارئاً مع رئيس المجلس البلدي وأعضائه، وطالبوا البلدية بتحرّك عاجل لوقف الحرق، ومتابعة الملف مع الجهات الرسمية والبيئية، واعتماد حلول مستدامة وفق المعايير العلمية بدلاً من معالجات مؤقتة تنقل الضرر من منطقة إلى أخرى. واعتبر الأهالي أنّ القضية تجاوزت كونها أزمة بيئية عابرة لتصبح مسّاً مباشراً بحقهم في الحياة، رافعين شعاراً يختصر المأساة: “مطمر الكفور يقتلنا ويقتل أطفالنا”.

وادي الكفور: تاريخ من الموت

ليست الأزمة وليدة اليوم. ففي صيف ٢٠٢٣، انفجر الغضب بعد الكشف عن محرقة للإطارات المطاطية داخل المكب يغطي دخانها النبطية والقرى المحيطة، حتى صار الوادي يُعرف بين السكان بـ”وادي الموت”. يومها طالبت جمعية الأرض – لبنان السلطات بالتحرّك الفوري، وانطلقت حملة رقمية واسعة لم تقتصر على الخصوم التقليديين لـ”حزب الله” و”حركة أمل”، بل شملت أصواتاً من داخل بيئتهما الانتخابية. وحمّل ناشطون الثنائي المسؤولية بحكم نفوذه وتمثيله البلدي، ملمّحين إلى “صفقة” ما تفسّر غياب المعالجة لسنوات، في ما وصفته تقارير صحافية بأول صدام جدي بين الثنائي وجمهوره.

وعود على الورق؟

وكان قد اجتمع وزير البيئة السابق ناصر ياسين برؤساء اتحادات البلديات في الشقيف وإقليم التفاح، وممثلين عن مكاتب العمل البلدي في “أمل” و”حزب الله”، وأعلن ما سمّاه “حلاً جذرياً”: صيانة معمل فرز الكفور وإعادة تشغيله، وإنشاء مطمر صحي للعوادم في دير الزهراني، وإنجاز دراسة بيئية “خلال أسابيع”، على أن تبصر الخطة النور في حزيران التالي، ويُموَّل التشغيل من خزينة الدولة عبر مناقصة بإشراف هيئة الشراء العام.
أما رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد، فوصف اللحظة بأنها “فرصة تاريخية وذهبية”، داعياً المسؤولين إلى أن يكونوا خدّاماً للناس.

أسئلة بلا أجوبة

اليوم، وبعد حرب طاحنة وجولات تصعيد لم تهدأ، يعود الدخان ليجيب بنفسه. وتفرض صرخة حبوش أسئلة لا تحتمل التأجيل: هل خضع المعمل للصيانة فعلاً؟ أين أصبح مطمر دير الزهراني؟ هل أُنجزت الدراسة البيئية؟ ولماذا يستمر الحرق العشوائي إن كانت الخطة قد وُضعت على السكة؟ وإذا كانت “الإرادة السياسية” متوافرة كما قيل، فمن يعطّل التنفيذ؟
يبدو أنّ ملف الكفور نموذجاً مصغّراً لإدارة الأزمات في لبنان: مؤتمرات وتصريحات عند كل موجة غضب، ثم صمت حتى الموجة التالية. وحتى يثبت العكس، يواصل أهالي النبطية وقراها دفع الثمن من صحتهم.