تمهّلت الرياض طويلاً أمام استفزازات الحوثيين، ثم أقدمت حين صار المساس بأمنها وبحرها أمراً واقعاً. معركة باب المندب ليست مواجهة يمنية فحسب، بل سقوط لرهان إيراني على خنق العرب من البحر.
صباح الخامس من تشرين الأول، استيقظ العرب على خبر انتظروه طويلاً. أعلنت القوات الحكومية اليمنية إحكام سيطرتها على منطقة باب المندب، بعد أقل من 24 ساعة على إطلاق القيادة السياسية والعسكرية عملية واسعة باسم «فجر اليمن» بهدف استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرة الحوثيين. لم يكن ذلك مفاجأة عسكرية فقط، بل خلاصة مسار طويل من الصبر العربي الذي أساء الحوثي وراعيه الإيراني تقديره.
صبر لا ضعف
منذ هدنة 2022، اختارت السعودية طريق التهدئة. فتحت أبواب الحوار، وغلّبت منطق الدولة على منطق الثأر. لكن طهران وأذرعها اعتادت تفسير الحِلم ضعفاً. فحين اندلعت الحرب على إيران، ضغطت طهران وحزب الله، المنخرط يومها في حرب لبنان، على الحوثيين للانضمام إلى المواجهة، فتحوّل اليمن مرة أخرى إلى منصة لحروب الآخرين.
الخطوط الحمر تُداس واحداً تلو الآخر
لم يترك الحوثيون خطاً أحمر إلا تجاوزوه. في 20 تموز 2026 أعلنوا فرض حظر بحري على السعودية، ورأت “هيومن رايتس ووتش” أن هجماتهم على السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن ترقى على الأرجح إلى جرائم حرب في ثلاث حالات على الأقل.
ثم جاء الثامن من أيلول، حين أعلن التحالف أن سلسلة هجمات حوثية أصابت 73 مدنياً في جنوب غرب المملكة، فيما أكدت وزارة الطاقة السعودية استهداف منشآت للطاقة واندلاع حرائق فيها. وفي 19 أيلول، زعم الحوثيون استهداف “أهداف حساسة” في الرياض وأرامكو في ينبع، بينما أعلن التحالف اعتراض مسيّرة حوثية جنوب مكة المكرمة قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة.
وفي قلب هذا التصعيد، استكمل الحوثيون في 11 أيلول سيطرتهم على مضيق باب المندب وكامل الساحل الغربي المطل على البحر الأحمر. هنا انكشف المشروع بلا قناع.
“هرمز ثانٍ” بإدارة الحرس الثوري
لم يكن الأمر تفصيلاً يمنياً. رئيس أركان محور تعز اللواء عبد العزيز المجيدي وصف التصعيد بأنه أجندة إيرانية تريد تحويل باب المندب إلى ورقة ضغط إقليمية شبيهة بمضيق هرمز. وأكد نائب وزير الدفاع اليمني اللواء سمير صبري أن تحركات الحوثيين تأتي بتوجيهات من الحرس الثوري الإيراني.
الفكرة بسيطة وخطيرة: إذا أُقفل هرمز، يبقى البحر الأحمر رئة الخليج. فأرادت طهران أن تمسك الرئتين معاً. فقد استهدف الحوثيون الملاحة السعودية في البحر الأحمر، وهو منفذ حيوي للنفط السعودي في ظل مساعي إيران لعرقلة المرور عبر هرمز.
كلام ولي العهد: الرسالة قبل الضربة
في الثلاثين من أيلول، وقف الأمير محمد بن سلمان أمام مجلس الشورى، وقال ما يشبه الإنذار الأخير. أكد أن المملكة «لن تتردد في الرد الحازم على أي تهديد أو اعتداء» يستهدف أمنها، مشدداً على أن خفض التصعيد والحلول الدبلوماسية لا يعنيان التهاون في حماية أمن المملكة. وجدد دعم الحكومة اليمنية عبر تحالف دعم الشرعية لتمكينها من بسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية، معتبراً أن الحوثيين اختاروا الفوضى والخراب وتهديد اليمنيين والمنطقة.
قبلها، كان مجلس الوزراء برئاسته قد أكد أن أمن المملكة وسلامة أراضيها مبدأ راسخ، وأن لها حقاً مشروعاً في الدفاع عن نفسها وفق ميثاق الأمم المتحدة. كانت الرسائل واضحة لمن يريد أن يسمع. لكن طهران لم تسمع.
تمهّلت ثم أقدمت
لم تتحرك الرياض بانفعال. خلصت إلى أن استئناف مفاوضات السلام غير ممكن ما دامت الميليشيا تسيطر على باب المندب وما يمنحها ذلك من نفوذ استراتيجي، وفق دبلوماسيين غربيين ومسؤول خليجي. فكان القرار.
ميدانياً، جاء التقدم عبر عملية التفاف من جبال كهبوب قطعت الطريق بين السقيا ومعسكر العمري، وحاصرت عناصر الحوثيين في قطاع باب المندب وجزيرة ميون. وأفادت مصادر عسكرية بأسر العشرات من عناصر الحوثي، فيما تتجه الأنظار الآن إلى المخا تحت غطاء جوي مكثف. وفي المقابل، نفت سلطات صنعاء ما وصفته بادعاءات الإعلام السعودي عن تقدم في ذوباب، وهو نفي اعتاده من يخسر الأرض ويتمسك بالبيانات.
من الضاحية إلى ذوباب: النهاية واحدة
سبق لولي العهد أن قال إن الحرب في اليمن مستمرة لمنع الحوثيين من التحول إلى حزب الله لبناني جديد في المنطقة. اليوم يبدو أن الدرس اكتمل: الميليشيا التي تُبنى على حساب الدولة تنتهي حين تقرر الدولة أن تكون.
في لبنان، دفعنا ثمن هذا النموذج حروباً ودماراً وعزلة. وفي اليمن، دفع اليمنيون ثمنه جوعاً وتمزقاً. والنتيجة في الحالتين أن إيران تقاتل بأبناء غيرها، ثم تتركهم حين تشتد المعركة.
فهل يقرأ من بقي من أذرع طهران في بيروت وبغداد ما جرى على شاطئ باب المندب، أم ينتظر أن يتعلم الدرس بالطريقة نفسها؟
إقرأ أيضاً: حين تصبح الذاكرة “خسائر جانبية”