مئتا مليون دولار، وخمسون ألف عائلة، وعمولة تبلغ عشرين في المئة. حملت “رويترز” الخبر في ذكرى “طوفان الأقصى”، بينما تتقدّم القوات اليمنية قرب باب المندب، وما زالت بيوت الجنوب تنتظر من يرمّمها. فهل وصل المال فعلاً، أم أنّ الرواية اختارت توقيتها بعناية؟
في 1 تموز، نشرت صحيفة «لوموند» تحقيقاً عن المزاج داخل البيئة الشيعية في لبنان، حمل مؤشرات تتجاوز حجم الدمار الذي خلّفته الحرب إلى سؤال أكثر حساسية: كيف ينظر بعض أبناء هذه البيئة إلى الحرب، ومن يتحمل كلفتها؟
بين الشهادات التي نقلها التحقيق، شهادة خليل عبد الله، وهو من مؤيدي حركة أمل، دُمّر منزله في الخيام. قال إن حزب الله لم يعطه شيئاً، وإن الحرب ليست مشكلة الشيعة بل مشكلة حزب الله الذي لا يمثّلهم في هذا الموضوع. والأهم أنه ميّز بين موقفه السياسي وموقفه من إسرائيل وحزب الله، في شهادة تكشف أن الموقف من إسرائيل أو التمسك بالهوية الشيعية لا يعني بالضرورة تأييد القرار السياسي والعسكري للحزب.
بعد نحو ثلاثة أشهر، جاء خبر الـ200 مليون دولار
لكن الخبر لم يظهر في فراغ لبناني أو إقليمي. ففي 5 تشرين الأول، شنت القوات الحكومية اليمنية المدعومة سعودياً هجوماً لاستعادة مناطق على الساحل قرب باب المندب، وأعلنت تقدماً في مناطق استراتيجية قرب باب المندب وذُباب والمخا، وسط استمرار الغموض حول السيطرة على بعض المواقع. هذه التطورات مهمة في قراءة توقيت خبر حزب الله، لا لأنها تثبت رابطاً مباشراً بين الحدثين، بل لأنهما وقعا في فضاء إقليمي واحد. الحوثيون، مثل حزب الله، جزء من شبكة القوى المرتبطة بإيران، وبالتالي فإن تراجع إحدى هذه القوى في جبهة استراتيجية يمكن أن يؤثر في الصورة المعنوية والسياسية للمحور الذي تنتمي إليه.
وفي 7 تشرين الأول، قالت «رويترز»، نقلاً عن مصدرين لديهما معرفة مباشرة بالتحويل، إن حزب الله تلقى، بحسب المصدرين، خلال أيلول أموالاً قُدّرت بنحو 200 مليون دولار، قالت المصادر إنها جاءت من إيران، لمساعدة النازحين والمتضررين. وبحسب الرواية، تقضي الخطة بدفع 3 آلاف دولار لنحو 50 ألف عائلة، مع أولوية للعائلات التي دُمّرت قراها أو أصبح الوصول إليها متعذراً بسبب الوضع الأمني. وقال أحد المصدرين إن الوسطاء تقاضوا عمولة بلغت 20 في المئة، أي أربعة أضعاف المعدل المعتاد.
حزب الله قال إن مبلغاً قد تم تأمينه وإن خطة التوزيع ستُعلن، من دون تأكيد أن مصدره إيران. في المقابل، نفت واشنطن وجود الأموال، وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن الحزب يحاول «حفظ ماء الوجه» عبر روايات عن تدفق أموال إيرانية.
حتى الآن، لا توجد وثيقة مالية علنية تثبت التحويل، ولا تأكيد إيراني مباشر، ولا توزيع واسع يمكن التحقق منه. لكن الرواية تتضمن مصادر وأرقاماً وخطة توزيع تجعلها قابلة للاختبار.
والأرقام نفسها تستحق التوقف. 50 ألف عائلة × 3 آلاف دولار تساوي 150 مليون دولار. وإذا كان مبلغ الـ200 مليون هو الإجمالي قبل العمولة، فإن 20 في المئة تعني 40 مليون دولار، ويبقى 160 مليوناً. أي إن الرقم ينسجم حسابياً مع خطة دفع أولية لـ50 ألف عائلة، لكنه لا يثبت أن التحويل حصل أو أن الأموال ستُدفع فعلاً.
ثم هناك 7 تشرين الأول نفسه. فهو ذكرى انطلاق «طوفان الأقصى»، وبعد ثلاث سنوات على هجمات ذلك اليوم لا يزال يحمل حمولة سياسية ونفسية استثنائية، خصوصاً لدى من خسروا منازل وأقارب وأرزاقاً في الحرب التي تلتها. وفي البيئة الشيعية اللبنانية، يأتي الخبر فيما لا تزال آثار الحرب حاضرة في الجنوب والضاحية والبقاع.
هنا تتجمع طبقتان من التوقيت: تراجع ميداني حوثي في بداية الأسبوع، ويوم رمزي شديد الحساسية في تاريخ المنطقة. ما يجعل التوقيت جزءاً مشروعاً من التحقيق: فقد تكون الجهة التي سرّبت المعلومات قد اختارت لحظة يتزامن فيها الضغط على أحد حلفاء إيران مع ذكرى ذات حمولة سياسية هائلة، أو قد يكون الأمر مجرد تزامن استفادت منه عملية النشر. وفي الحالتين، يؤثر الظرف في طريقة تلقّي الخبر.
إذا كان التوقيت مقصوداً، فإن رواية «200 مليون دولار من إيران لمساعدة المتضررين» تؤدي وظيفة تتجاوز مضمونها المالي: إعادة تقديم إيران بوصفها قادرة على تمويل حليفها ورعاية جمهوره في لحظة ضغط إقليمي، وإعادة تقديم الحزب بوصفه قادراً على توفير التعويضات بعد الحرب، في وقت كانت فيه شكاوى المتضررين من ضعف أو غياب المساعدة حاضرة في شهادات وتحقيقات سابقة. وهذا يتقاطع مع إعلان نعيم قاسم في خطاب خلال أيلول أن الحزب سيشارك في إيواء آلاف النازحين باستخدام «الموارد المتاحة والتبرعات».
لكن هناك سؤالاً مالياً آخر: هل يفترض أصلاً أن يكون الـ200 مليون دولار، إذا وُجدت، مالاً إيرانياً جديداً بالكامل؟
حزب الله لم يكن تنظيماً بلا احتياطات مالية. ووجود بنية مالية تعتمد على الذهب والسيولة موثق في العقوبات الأميركية. ففي شباط 2026، قالت وزارة الخزانة الأميركية إن شركة Jood، التي تعمل تحت إشراف القرض الحسن، كانت تحول احتياطات ذهب مرتبطة بالحزب إلى أموال قابلة للاستخدام، في إطار محاولة الحفاظ على السيولة المالية للحزب.
لذلك لا يمكن استبعاد، من حيث المبدأ، أن يكون الحزب قد حاول استعادة جزء من أصول أو احتياطات كانت موزعة في منشآت تعرضت للغارات أو للضرر. ولا توجد قرينة علنية تثبت أن ذلك حصل، لكن وجود قنوات واحتياطات مالية سابقة يجعل فرضية أن كل دولار متاح للحزب اليوم جاء حديثاً من إيران فرضية غير مكتملة.
وهكذا تصبح أمامنا احتمالات عدة: أموال إيرانية وصلت فعلاً، أو تمويل إيراني لم يُدفع كله بعد، أو أموال من مصادر متعددة، أو مزيج من تمويل جديد واحتياطات سابقة. وقد يكون الرقم نفسه صحيحاً فيما يكون توصيف مصدره ناقصاً.
أما نسبة الـ20 في المئة، فهي ربما أهم من كونها مجرد رقم في رواية التحويل. إذا صحت، فهي تعني أن الوصول إلى المال عبر الوسطاء أصبح مكلفاً إلى حد استثنائي. ويمكن قراءتها بطريقتين متعاكستين: قد تكون إشارة إلى شبكات تحويل الأموال والصرافة والوساطة المالية بأن الحزب مستعد لدفع كلفة مرتفعة مقابل تمرير الأموال إليه، بما فيها الأموال التي تحتاج إلى تجاوز العقوبات والرقابة؛ وقد تكون في المقابل دليلاً على أن هذه القنوات أصبحت أكثر خطورة وكلفة، وأن الحزب يدفع ثمن الاختناق المالي الذي تفرضه العقوبات وتشدد الرقابة.
بمعنى آخر، الـ20 في المئة قد تكون رسالة قدرة بقدر ما يمكن أن تكون علامة عجز: القنوات ما زالت مفتوحة، لكن الوصول إليها لم يعد رخيصاً.
لذلك لا ينبغي أن يكون الاختبار في البيانات، ولا في الصور، ولا في تسريب جديد.
الاختبار في القرى
الحسم لن يكون في صورة شيك، ولا في بيان حزبي، ولا في شهادة عشر عائلات. الحسم سيكون في القدرة على تتبّع أثر المال على نطاق واسع: في الخيام، وبنت جبيل، والقرى الحدودية، والضاحية، والنبطية، وفي عشرات آلاف العائلات لا في عشرات الصور.
إذا كان المال قد وصل، فعليه أن يظهر في حياة الناس. وإذا كانت الـ200 مليون دولار موجودة فعلاً، فعليها أن تتحول من رواية صحافية إلى تعويضات وصلت إلى أصحابها.
حتى ذلك الحين، سنكون أمام خبر عن المال، لا أمام المال نفسه.
إقرأ أيضاً: واشنطن تُكذّب “أموال إيران”: لا 200 مليون دولار للحزب