معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

ذكرى 8 أكتوبر: رسالة إلى قادة محور الانتصارات

المساعدة البصرية: حجم الخط

في 8 أكتوبر 2023، خرجت من الجنوب قذائف الصباح الأولى، وأُعلنت “جبهة الإسناد” لغزّة. لم يُسأل اللبنانيون، ولا البرلمان ولا الحكومة، ولا المزارع الذي كان يقطف زيتونه في الخيام، ولا المعلمة التي كانت تفتح دفتر الحضور في بنت جبيل. قرّر طرفٌ واحد، ودفع وطنٌ بأكمله الثمن.

 

وعود البداية: ضربات محسوبة ووحدة الساحات

قالوا لنا يومها إنّها ضربات محسوبة، تُشغل جيش الاحتلال وتخفف عن غزة بعض النار، وإنّ “وحدة الساحات” سقف يظلّلنا جميعًا. واليوم، بعد ثلاث سنوات، يحق لكل بيت لبناني أن يطرح السؤال الذي دفع ثمنه دمًا ودموعًا: ماذا ربحنا نحن؟ وماذا ربحت غزّة؟

لا شيء تقريبًا. لم توقف جبهة الإسناد غارةً واحدة على غزّة، ولم تفتح معبرًا، ولم تُدخل رغيفًا، ولم تُنقذ طفلًا من تحت الركام. وزارة الصحة في غزّة تعدّ اليوم أكثر من 73 ألف شهيد.

سقوط شعار وحدة الساحات

في تشرين الثاني 2024 قبِل الحزب بوقف إطلاق النار في لبنان، وغزّة ما زالت تحترق. ماتت “وحدة الساحات” بصمت، بلا نعيٍ ولا اعتذار. أمّا هدنة غزة فجاءت بعد قرابة عام، في تشرين الأول 2025، باتفاقٍ برعاية أميركية لا شأن له بصواريخ الجنوب.

وحتى تلك الهدنة اسمٌ بلا مسمّى، بأكثر من 1300 شهيدٍ منذ بدئها، وإسرائيل تبسط سيطرتها على نحو 64% من القطاع.

ربحت غزّة رفيقًا في الخراب.

الفاتورة اللبنانية: شهداء ومليارات

وماذا حل بنا؟

من تشرين الأول 2023 حتى أيلول 2026، قتلت الاعتداءات الإسرائيلية 8920 شهيدًا في لبنان وجرحت 30595، بحسب وزارة الصحة. وخلف كل رقمٍ اسم، وجنازة، وأمٌّ تنتظر ابنًا لن يعود.

الجولة الأولى وحدها، حتى نهاية 2024، كلفت لبنان 14 مليار دولار بين أضرار وخسائر، وقدّر البنك الدولي حاجات إعادة الإعمار بـ11 مليارًا، في بلد كان اقتصاده قد انكمش أصلًا بنحو 40% منذ 2019. ولم يدفع من أشعل النار دولارًا واحدًا من الفاتورة.

حرب آذار 2026: لبنان يُجرّ مرة أخرى

في الثاني من آذار 2026، عادت الكأس ذاتها، مُرّةً. وهذه المرّة لم تكن الصواريخ لغزة أصلًا، بل ثأرًا لمقتل المرشد الإيراني. قال رئيس حكومتنا إنّ لبنان جُرّ إلى حربٍ لم يطلبها ولم يخترها. وفي ذروتها، كان نحو مليون ومئتي ألف لبناني بلا بيوت.

احتلال جديد ونزوح مستمر

اليوم تحتلّ إسرائيل قرابة 650 كيلومتر مربّع، أي نحو خُمس البلاد، وتواصل القصف رغم وقف النار المعلن في 17 نيسان. قرى الجنوب صارت أطلالًا، وعائلاتٌ ما زالت تنام في المدارس والملاعب، وفي الخيام، وفي شقق مستأجرة يتكدّس فيها عشرة أشخاص في غرفتين.

وأطفالنا دفعوا أيضًا، ففي ذروة هذه الحرب صار نصف المدارس الرسمية مراكز إيواء، وتعطّل تعليم أكثر من 250 ألف تلميذ. تضرّرت نحو 436 مدرسة ودمّرت إسرائيل قرابة 40، ولا مال لترميمها. وللسنة السابعة على التوالي ينقطع العام الدراسي في لبنان. جيلٌ كاملٌ يتعلّم أن الحرب هي القاعدة، وأنّ المدرسة استثناء.

ميزان بلا جدوى ولا محاسبة

فما كانت الجدوى؟

في كفة غزة: لا هدنة انتُزعت، ولا حصار كُسر، ولا روح أُنقذت. وفي كفّة لبنان: آلاف الشهداء، وخُمس الأرض محتلّ، وجنوبٌ مدمّى، ومدارس تحوّلت ملاجئ، وفاتورة لا يقدر أحد على سدادها.

قالوا لنا إنّ الجبهة تردع إسرائيل، فإذا بها تهديها الذريعة التي انتظرتها لتهدم قرانا وتقيم فيها. وقالوا إنّها تحمي لبنان، فما كان لبنان يومًا أعزل كما هو اليوم.

ومع ذلك، لم يقف أحد أمام الناس ليقول: أخطأنا. لا مراجعة، ولا محاسبة، ولا استقالة. فقط خطاباتٌ جديدة، وشعارات جديدة، و”انتصاراتٌ” تُعلن فوق قبورٍ جديدة.

رسالة إلى قادة “محور الانتصارات“

إلى قادة “محور الانتصارات” الذين قرروا كل هذا من مكاتبهم المكيّفة، وعواصمهم الآمنة، وبيوتهم المحروسة: أنتم لم تناموا ليلةً في صالة مدرسة. لم تقفوا في طابورٍ لتنالوا فرشة. لم تنبشوا الركام بأظافركم بحثًا عن أمّ، ولم تقولوا لطفلٍ جائع إنّ لا عشاء الليلة.

فإليكم أمنيتنا في هذه الذكرى الثالثة: أن تعيشوا يومًا واحدًا ممّا جنيتموه علينا. أن تخسروا بيوتكم وتنتظروا سنواتٍ من يعيد بناءها. أن تبيتوا في خيمةٍ في عزّ الشتاء، وتستيقظوا لا تعرفون أين سيدرس أولادكم. أن تدفنوا من تحبون من أجل قضيةٍ لم تُنقذ أحدًا. عندها فقط، تعالوا وحدثونا عن النصر.

نريد دولة لا جبهات

بعد ثلاث سنوات على الثامن من تشرين، لسنا بحاجة إلى جبهات إسنادٍ جديدة. نحن بحاجة إلى دولة، وإلى سلامٍ نستطيع أن نعيش فيه، وإلى كرامةِ أن نقرر مصيرنا بأيدينا.

 

*نقلاً عن فيسبوك

 

إقرأ أيضاً: مئتا مليون دولار: لماذا ظهر المال في 7 تشرين الأول؟